نجوم العالم الموازي.. قراءة في ظاهرة أشباه المشاهير
منذ أن ترعرع في وادينا الطيب كل هؤلاء الأشباه، تكاثرت أمام أعيننا ظاهرة أشباه المشاهير، وأشباه الفنانين، بل وأشباه البشر أحيانًا؛ عالم موازٍ نشأ على الهامش ثم ما لبث أن صعد إلى الواجهة، فارضًا نفسه على الرأي العام بلغة لا تعرف سوى «الترند».
أُجبرت كغيري على متابعة ما جرى في حفل زفاف أحد نجوم هذا العالم الموازي؛ هرج ومرج تجاوز حدود الذوق العام، وطفح بمن كانوا في قاع المشهد إلى سطحه، ليصبحوا فجأة حديث الناس والمنصات.
ولم يكن خوفي نابعًا فقط من انتشار هذه الظاهرة، بل من ما هو أخطر أن تتكاثر هذه النماذج، وتُعاد إنتاجها عبر أجيال جديدة داخل البيئة ذاتها.
واعتقادي الشخصي أن هذا الجيل ليس جانيًا بقدر ما هو ضحية؛ ضحية تهميش الرأي، وضحية عصور من الجفاف الثقافي والإبداعي، إلى جانب أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة، وتغيرات سياسية متسارعة تُعد من الأقسى في تاريخ مصر المعاصر.
كل هذه العوامل وغيرها انعكست بالضرورة على وعي أبناء هذا الجيل، فصنعت فراغًا واسعًا ملأته تلك النماذج، ورفعت «الأشباه» إلى مرتبة النجومية داخل عالمهم الموازي، المنعزل عن الواقع، في ظل حالة من الارتداد عن الحياة العامة والعمل العام وهروب جماعي لعوامل موازية.
وعلى عكس الأصوات المطالبة بالتعامل الأمني الحاسم مع من يُطلق عليهم «نجوم التيك توك»، أرى أن هذه الظاهرة لا تُواجه بالمنع وحده ولا تُختزل في الإجراءات الأمنية، بل تستوجب قراءة أعمق ودراسة متأنية يشارك فيها علماء الاجتماع وعلم النفس لفهم جذورها ودوافعها، والبحث في كيفية تحويل هذا الحضور الطاغي من عبء اجتماعي إلى طاقة يمكن توجيهها لخدمة المجتمع.
إن إعادة دمج الشباب ثقافيًا وسياسيًا إلى جانب تمكينهم اقتصاديًا، واستيعاب طاقاتهم بمختلف طبقاتهم الاجتماعية، لم تعد رفاهية يمكن تأجيلها بل أصبحت مسألة أمن قومي تمس مستقبل الدولة المصرية بشكل مباشر.
فهؤلاء اليافعون هم شباب الغد، وحملة راية الوطن شئنا أم أبينا ومستقبلهم امتداد طبيعي لمستقبل مصر؛ إما أن يُبنى على وعي ومشاركة وانتماء، أو يُترك فريسة لعوالم موازية تبتعد يومًا بعد يوم عن المجتمع والدولة.


