رحلة العقل في متاهة اليقين
الكون بما يحمله من اتساعٍ ودهشة، ليس فضاءً ماديًا فحسب، بل كتابٌ مُحكم الصفحات، مُحمل بالأسرار التي لا يهبها الله إلا لمن يشاء، قد يلمح الإنسان شيئًا مما يُسمى بـ"النورانيات"، تلك الإشراقات الخفيفة التي تلامس الروح فتوقظ فيها حدسًا أو بصيرة، لكنها تبقى إشارات لا تُدرك حقيقتها كاملة، لأن مفاتيح الحقيقة المطلقة في يد الخالق وحده الذي يعلم تضاريس القدر ودروب الحكمة.
حين نتأمل تفاصيل الحياة، نجد أنفسنا أمام متناقضات يستعصي على العقل البشري أن يحيط بها، قد تمر على القلب مشاهد تفرض الدهشة، وتدفعنا للبحث عن معنى لا يتجلى إلا بعد مرور السنين، وربما يشعر الإنسان في لحظةٍ ما بأنه صاحب القرار، وأنه مخير في اختيار الطريق الذي يسير فيه، ثم يكتشف - بعد أن تتكشف له خيوط الأحداث - أن الخطوات التي ظنها قراره لم تكن سوى جزء من مسارٍ كُتب له بعناية ربانية فائقة، وأنه كان مُقادًا إليه بغير أن يشعر.
ثمة عقول لا تُشبه إلا الخرائط الغامضة، تتقاطع فيها الطرق، وتتناقض فيها الاتجاهات، كأنها لم تُحسم أمرها بعد، وتغرق في أسئلة لا شواطئ لها، تفكر كثيرا، لكنها تعاني من عدم التبلور، كأن كل فكرة فيها تبحث عن حدودٍ ولم تجد إطارها بعد.
العقل البشري ليس أداةً للحسم دائمًا، بل أحيانًا يكون دهليزًا للتيه، ومتاهةً تتصارع فيها الرؤى، تتعدد الطرق، لكن لا وجهة واضحة.
ليس عيبًا أن نحتار، ولا خطيئة أن نتردد، لكن الكارثة أن نُقيم في هذه الحالة إلى الأبد، أن نُجمد العقل في منطقة اللا-يقين، ونكتفي بالمشاهدة دون الانخراط.
هو ذاك التداخل الغامض بين الحرية الإنسانية والإرادة الإلهية، بين ما نراه اختيارًا وما يراه القدر تسييرًا ففي النهاية، لا يقودنا إلى طرقنا إلا تلك الدلالات الخفية والمعطيات الدقيقة التي تتجمع كحبات مطر، فتدفعنا نحو الاتجاه الذي كُتب علينا أن نبلغه، مهما طال الالتفاف أو امتد بنا الطريق.
تتراكم الأمنيات وتتشابك الآمال في زوايا القلب الخفية حيث نظن أحيانًا أن الخير يسكن ما نحب، وأن السعادة لا تأتي إلا في الصورة التي رسمناها لأنفسنا، نتعلق بأشخاص، نتمسك بأحلام، ونقاتل لأجل اختيارات نراها خلاصنا الوحيد، فإذا بالأقدار تسير في اتجاهٍ آخر، وتنحرف الحياة عن ما حلمنا به، نشعر بشيء داخلي لم ندركه من قبل.
أقف قليلًا عند قول الحق: « وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خيرٌ لكم وعسى أن تحِبوا شيئا وهو شرٌّ لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون».. آية تحمل من الحكمة ما يعجز عنه الكلام الطويل، تخبرنا أن القلب ليس دائمًا دليلًا أمينًا، وأن ما نراه نورًا قد يكون نارًا مؤجلة، وما نعده نجاة قد يكون الغرق بعينه فكم من بابٍ أُغلق فأنقذنا من ضياع، وكم من طريقٍ مُنعنا منه وكان فيه هلاكنا.
وما الحياة إلا رحلة بين الغموض واليقين، نخطو فيها ببصيرة ناقصة، ونُكملها برحمةٍ كاملة، نبحث عن الحكمة فنجدها أحيانًا في صمت اللحظات، ونلمسها أحيانًا أخرى في منعطف لم نتوقعه كموقف يهز الثبات، أو قرار مفاجئ يغير المسار، فنُبصر بعده ما استعصى علينا فهمه من قبل، ثم لا نلبث أن ندرك أن كل ذلك جزء من نسيج القدر الذي ينسجه الله بحكمةٍ تعجز عن إدراكها العقول والقلوب.


