السبت 02 مايو 2026
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات
محافظات

نحو قانون ممارسة حقوق سياسية أكثر عدلًا

الإثنين 19/يناير/2026 - 05:46 م

بصفتي أحد المهتمين بالشأن العام، وأحد المشاركين في تجربة الانتخابات البرلمانية لدورة 2026، وهي تجربة يمكن وصفها بأنها من أكثر الدورات إثارةً للجدل في تاريخ مصر المعاصر، وأقلها من حيث معدلات الإقبال، سواء على مستوى المصوّتين أو حتى المشاركين من الأحزاب والمستقلين.
تفرض هذه التجربة نفسها بقوة على النقاش العام، وتستدعي وقفة جادة أمام أسباب هذا التراجع اللافت.

لقد كشفت هذه الانتخابات عن أزمة ثقة حقيقية في العملية الانتخابية، لم تعد قابلة للتجاهل أو التفسير السطحي.

أزمة تتجاوز ضعف الحشد أو عزوف المواطنين، لتصل إلى جوهر الإطار القانوني المنظم للمشاركة السياسية، وفي مقدمته قانون مباشرة الحقوق السياسية، الذي بات في حاجة ملحّة إلى مراجعة شاملة تعيد للعملية الانتخابية معناها، وللمشاركة السياسية قيمتها، ولصوت الناخب ثقله وتأثيره.

إن الحديث عن تطوير الحياة السياسية لا يمكن أن يكتمل دون التطرق إلى سؤال جوهري: كيف نضمن أن يكون التصويت فعلًا سياسيًا واعيًا، لا مجرد إجراء شكلي أو استجابة آنية لدوافع اجتماعية أو مادية؟ من هنا تبرز إحدى الأفكار الجدلية المطروحة للنقاش العام، والمتعلقة بربط مباشرة حق التصويت بحد أدنى من التأهيل التعليمي.

ولا ينطلق هذا الطرح من منطق الإقصاء أو التمييز، وإنما من اعتبار أن التصويت فعل سياسي مسؤول، يتطلب حدًا أدنى من القدرة على الفهم والإدراك لطبيعة العملية الانتخابية، والتمييز بين البرامج، وتقييم المرشحين، واستيعاب الآثار العامة للاختيارات السياسية.. فالديمقراطية لا تقوم فقط على مبدأ الشمول العددي، بل على جودة المشاركة ووعيها، وهو ما ينعكس مباشرة على كفاءة التمثيل النيابي وجودة التشريع.

 وفي هذا السياق، يمكن التفكير في صيغ متعددة لا تمس جوهر الحق الدستوري بل تعززه، مثل ربط الحق في التصويت ببرامج محو أمية سياسية أو اجتياز حد أدنى من التثقيف المدني، بما يضمن توسيع قاعدة المشاركة الواعية بدلًا من تقليصها.

وعلى الرغم من أن قانون مباشرة الحقوق السياسية يجرّم الرشوة الانتخابية صراحة، فإن العقوبات المقررة لا تتسم دائمًا بالردع الكافي، ولا سيما في حالات التكرار أو ما يُعرف بالعود، حيث لا يميّز النص القائم بوضوح بين المخالفة الأولى وتكرار الجريمة.


إن غياب تغليظ العقوبة في حالات العود يفتح الباب أمام التعامل مع الرشوة الانتخابية باعتبارها “مخاطرة محسوبة” لدى بعض المرشحين أو الوسطاء، لا جريمة تهدد نزاهة العملية الديمقراطية.

 ومن ثم، يصبح من الضروري إدخال تعديلات تشريعية واضحة تقضي بتشديد العقوبات عند ثبوت تكرار ارتكاب الرشوة الانتخابية، بحيث تشمل الحرمان من مباشرة الحقوق السياسية لمدة لا تقل عن دورتين انتخابيتين، إلى جانب العقوبات الجنائية والمالية المقررة.

ولا يهدف هذا المقترح إلى العقاب في حد ذاته، بقدر ما يسعى إلى حماية الإرادة الحرة للناخب، وتجفيف أحد أهم منابع الفساد الانتخابي، وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص بين المرشحين.. فانتخابات لا تُردَع فيها الرشوة بشكل حاسم، هي انتخابات تُفرغ من مضمونها السياسي، وتفقد قدرتها على إنتاج تمثيل نيابي حقيقي يعكس اختيارات المواطنين لا قدرتهم على المساومة.


إضافةً إلى ذلك، يمكن للدولة، في إطار دعم المشاركة السياسية وتعزيز الممارسة الديمقراطية، أن تبتكر حوافز تشجيعية للمواطنين على المشاركة الفعلية في الانتخابات.. ويجوز، على سبيل المثال، تقرير حافز مادي رمزي للمواطنين المقيدين بقاعدة بيانات الناخبين الذين يثبت مشاركتهم في الاستحقاقات الانتخابية، على أن يُصرف هذا الحافز في صورة رصيد يُضاف إلى بطاقة التموين مثل هذا التدبير لا يقل أهمية عن القوانين الصارمة، إذ يعمل على تعزيز الإقبال على الانتخابات، وتفعيل حس المسؤولية المدنية لدى الناخبين، مع خلق شعور بأن المشاركة السياسية ليست واجبًا فقط، بل تجربة مدعومة ومكافأة من الدولة.

إن إعادة الثقة في الانتخابات لا تتحقق فقط عبر تعديل القوانين، بل عبر تبني فلسفة جديدة تحكمها، تجعل من المشاركة السياسية فعلًا نابعًا من الوعي والمسؤولية، لا من الاعتياد أو اللامبالاة ومراجعة قانون مباشرة الحقوق السياسية، جنبًا إلى جنب مع تشديد العقوبات وتشجيع المشاركة بحوافز مادية رمزية، تمثل خطوة أولى على هذا الطريق، نحو انتخابات أكثر عدلًا، وتمثيل أكثر صدقًا، وحياة سياسية تستعيد بريقها المفقود.

تابع مواقعنا