بعد 15 سنة.. حين اكتملت صورة المؤامرة
بعد خمسة عشر عامًا لم تعد 25 يناير مجرد ذكرى ملتبسة، بل مشهدًا يمكن إعادة قراءته بوضوح أشد قسوة؛ فخلف الشعارات البريئة والحشود الحالمة كانت هناك قوى أكثر تنظيمًا وأكثر صبرًا وطمعا، وأكثر استعدادًا لركوب الموجة حتى نهايتها، الثورة التي خرجت من الشارع لم تكن كلها من الشارع، بل ولم تكن كلها من الوطن!
منذ الأيام الأولى، ظهرت أخونة المشهد لا كحادث لاحق بل كجزء أصيل من التخطيط؛ جماعة تمتلك التنظيم والخبرة وشبكات التمويل، ومن قبل ذلك كله الثأر وروح الانتقام؛ جماعة لم تدخل الميدان بحثًا عن الحرية للجميع بل عن فرصة تاريخية للتمكين، ولم تكن شريكة في الحلم بل في استغلاله؛ وحين ارتبك الجميع كانت هي الأكثر جاهزية لملء الفراغ.
لكن الإخوان لم يكونوا وحدهم المشهد الذي اتسع ليشمل شراكات خفية مع عملاء لدول خارجية؛ دول لا ترى في مصر إلا ساحة نفوذ أو ورقة ضغط؛ التمويل، الإعلام، التدريب، وتدويل الأزمة، كلها عناصر لم تأتِ من فراغ بل من الفوضى التي لم تكن عشوائية والهدف لم يكن إصلاح الدولة، بل إنهاكها وتفكيك مؤسساتها وضرب ثقة الناس فيها حتى تنهار من الداخل.
في هذا السياق، يصبح ما جرى من حرق أقسام ومقار الحزب الحاكم، وفتح سجون وشلّ مؤسسات، خطوات لا يمكن فصلها عن مشروع إسقاط الدولة نفسها، لم يكن المطلوب تغيير نظام بل كسر العمود الفقري للدولة المصرية، وتركها فريسة للصراعات والوصاية الخارجية وهنا كان الأبرياء هم الوقود.
الخسارة الأكبر لم تكن فقط في الدم بل في الوعي؛ شباب نزلوا بحسن نية حلموا بإقالة وزير الداخلية، وطلبوا العيش والحرية والعدالة الاجتماعية؛ فوجدوا أنفسهم أدوات في صراع أكبر منهم، لم يُقال لهم من يوجّه المشهد ولا من يفاوض في الغرف المغلقة، ولا من يملك مفاتيح التصعيد والتهدئة، وحين انكشف المستور كان الوقت قد فات وكانت الدولة على حافة الانهيار.
وفي هذا الإطار، تأتي دلالة ما قاله الرئيس عبد الفتاح السيسي مؤخرًا حين أشار بوضوح إلى أن عينه كانت -وما زالت- لها محاولات في إسقاط الدولة في 25 يناير؛ لم يكن كلامًا عاطفيًا بل تأكيدًا على قناعة راسخة بأن ما جرى لم يكن بريئًا ولا عفويًا ولا ثورة خالصة، بل مؤامرة استُخدمت فيها أحلام الناس كساتر وواقٍ.
هذا التصريح يعيد ترتيب الصورة، الدولة لم تواجه احتجاجًا فقط بل مشروع هدم، ومَن وقف في مواجهة ذلك لم يكن ضد الحلم بل ضد اختطافه، نعم كان هناك أبرياء وحالمون ومخلصون، لكنهم وُضعوا في مقدمة المشهد ليُخفوا من يعملون في الظل.
بعد خمسة عشر عامًا، تتضح الخسارة الحقيقية، ليس فقط ما ضاع من دم ووقت، بل ما كدنا نفقده من وطن؛ لذلك أطالب بإعادة النظر في إنصاف الدستور لها كثورة تتمتع بما تتمتع به ثورة يوليو من مميزات دستورية، فشتان الفارق والنوايا حتى وإن لم تتفق.


