حسن النية لا يصنع مجدًا
انزويت في ركن داخل البيت اقرأ وكأنني أريد أن أصل إلى حقيقة ما، لا أعرف ما هي، لكنني واصلت ذلك النهم، وكأنني أريد أن أعرف الخطأ والصواب، وحقيقة أشياء تسكنني، تصارعني، ولا أدري ماهي.
أهو الماضي الذي نتشبث به.
أم المستقبل الذي نتطلع إليه.
لكن من يملك مفاتيح تلك الحقيقة، أن نستفيد من تجارب الماضي، لنصل بها إلى المستقبل.
لكن ما زالت تتصارع كثير من الأسئلة في رأسي، أنحن حقا أحفاد هؤلاء الأسر القديمة التي تركت لنا كل هذا الإرث الحضاري والتاريخي العظيم؟
وإن كنا كذلك - فلماذا لم تستمر صحوتنا؟
لماذا طالت كبوتنا وانكسارنا وهزائمنا؟
هل نحن استسلمنا، وتفرغنا لنبش الماضي، لمحاكمة تاريخ أناس رحلوا بكل انتصاراتهم وهزائمهم، فهل وجدنا الطريق الصحيح؟
حاكموا تاريخ الرئيس جمال عبدالناصر، وتهنا وتشتتنا وانقسمنا بين مؤيد ومعارض، وما زلت الدائرة تتسع وكأن عبدالناصر لم يمت.
بل ذهبوا أبعد من ناصر إلى عصر الدولة العلوية، توفيق كان خائنا، وإسماعيل أوقع البلاد في فخ الديون، وفاروق كان زير للنساء، بل أصدرت الأحكام وما زالت لها هوي عند البعض.
علمونا أن السادات رئيس الحرب والسلام، وهناك من قال: السادات طمس تاريخ ناصر وسار عكس الاتجاه.
ترحموا على مبارك وطبعا لا بد من الترحم علي موتانا، فهو صاحب الضربة الجوية، وعندما سقط قالوا: إن الضربة الجوية كانت محدودة، رغم أن مبارك لثلاثين عاما اختزل النصر لنفسه، وعندما سقط ناله من السهام والحربات ما أدمى تاريخه.
أمس قال إبراهيم عيسي إن المطرب عمرو دياب أفضل من العندليب، وبالمنطق والأرقام والإنجازات هذا صحيح تاريخيا، مع إنني شخصيا أحب العندليب ولا أسمع عمرو دياب، لا بد أن يكون التقييم مبنيا على الإنجاز وليس الحب والكره.
فمحمد صلاح هو أعظم رياضي أنجبته مصر بما وصل إليه من نجومية وشهرة وعالمية، فهل لو جاء من يحطم أسطورة صلاح سنهدم إرث صلاح ويغفله التاريخ، أعتقد ذلك لن يحدث أبدا.
هل ذلك يقلل من أن لدينا نجوما كبارا تألقوا وصنع مجدا لبلادهم في مجالات عديدة، لا بد أن تستمر دورة الحياة، وأن تدوم القدوة ليستمر الإنجاز.
لو أعلنت الآن أنني لا أحب كوميديا عادل إمام، وأعشق كوميديا سعيد صالح، فهل ذلك ينقص من قيمة عادل إمام، ذلك النجم التاريخي، والرمز الكبير للفن المصري، والعربي؟ لكنها وجهة نظر فدعونا نتنفس حرية، فمعها قمة الإبداع والتفوق.
تاريخنا حافل بكثير من قصص القدوة الطيبة، وقصص النجاح، والبطولة، والشرف، والأمانة، فمجد بلادي دائم لا ينقطع، والاهم هو الوصال المستمر لتعزيز ذاك الولاء.
لدينا جيل يعيش في خطر حقيقي، جيل لم يشاهد ثورات الربيع العربي، لم يكن في 30 يونيو، جيل سلم نفسه لمواقع التواصل الاجتماعي، لا يقرأ، جيل هو مستقبل الوطن، فهل يدرك المتناحرون علي من الأفضل عمرو أم عبدالحليم أننا في خطر.
كيف نحمي هذا الجيل بكل ما يحيطه من تفتيت للهوية، وعدم انتماء، ورغبة في التمرد؟
كيف نروض أفكاره، وندعم شغفه، ونمهد له الطريق ليمر بنا من عنق الزجاجة؟
انه جيل يعرف الحقيقة، او يعرف غيرها، لكنه لم يقرأ كما تقرأون، بل يستخدم كل وسائل التكنولوجيا الحديثة في الوصول إلى مبتغاه.
جيل يختصر الوقت، ويستطيع ترتيب الأفكار، لن يشغله تاريخ ما فات، إنه يريد أن يعيش الحاضر والمستقبل،
يريد أن يتعلم كما يتعلم الناجحون في بلاد العالم المتقدم، أن يستلم دفة الأمور وهو قادر على ترويضها لصالح المستقبل.
هو الفرصة الوحيدة لنخرج إلى رحابة العالم والتأثير فيه، يعلم أن القوي لا يهزم، وأن الفرصة متاحة ليمر تحت أعيننا.
في الكتب النظريات، المؤامرات، الحقيقة، والكذب، الخيانة، الأمانة، التضحية، البطولة، الشرف، والكلمة الختامية فيها أن التاريخ يكتبه الأقوياء.
لكننا لا بد أن نقرأ ونستمر في التنقيح، في سر الحقيقة، لا تجميل الكذب.
خلاصنا في أيدينا فلا تدعونا نكذب ونتجمل، لكن دعونا نأخذ بأسباب التقدم والرقي لصنع نهضة حقيقية لوطن يستحق أن يستعيد مكانته.




