السبت 02 مايو 2026
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات
محافظات

زلزال الاقتصاد الياباني.. والرد الأمريكي والعالمي

الثلاثاء 10/فبراير/2026 - 09:19 م

عندما نتكلم عن الديون، فاليابان تمتلك أعلى نسبة دين إلى الناتج المحلي الإجمالي عالميا، حيث بلغت 235%، إذ وصل دينها في مارس 2025 إلى ما يعادل 9 تريليون دولار أمريكي بل إنها أعلى من نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي لليونان البالغة 127%، والتي أدت إلى اندلاع أزمتها المالية فيها عام 2009، ومع ذلك، لا يمثل هذا مشكلة كبيرة اقتصاديا، إذ أن 50% من هذا الدين مملوك محليًا من قبل بنك اليابان المركزي.

 وفي نفس الوقت، تعد اليابان أكبر دائن في العالم علي الإطلاق، حيث تمتلك محفظة سندات تقدر قيمتها بـ 7.5 تريليون دولار أمريكي، منها 1.2 تريليون دولار أمريكي مستثمرة في سندات الخزانة الأمريكية، وهذه هي المشكلة التي تؤرق العالم أكبر مقترض وأكبر مقرض.

ولقد نتج هذا العبء الثقيل من الديون عن عقود من العجز المالي، والإنفاق التحفيزي، والنمو الاقتصادي البطيء في أعقاب انهيار فقاعة العقارات في أوائل التسعينيات، والذي كان سببه المضاربة المفرطة المدفوعة بالائتمان السهل، والذي حفزه التفاؤل الناتج عن قوة الين بعد اتفاقية بلازا عام 1985، وهي اتفاقية أجبرت فيها الولايات المتحدة 5 دول على خفض قيمة الدولار الأمريكي مقابل عملاتها. وعندما انهارت أسعار العقارات والأسهم، تبع ذلك انكماش اقتصادي، وركود في الأجور، وضعف في الطلب؛ ما أجبر بنك اليابان المركزي على تبني سياسة سعر فائدة صفري استمرت لما يقرب من ثلاثة عقود، وبالتالي أصبحت اليابان السند الذي تعتمد عليه الدول المختلفة للاقتراض بأرخص الأسعار، ومحورًا رئيسيا للاقتصادات الباحثة عن اقتراض بتكاليف منخفضة، وظلت اليابان أكبر مقرض في العالم بتكلفة تقريبا صفرية، ومرساة المؤسسات العالمية بالاقتراض بالين، ثم تحويله الى العملات المختلفة للتمويل أو الاستثمار بعوائد مرتفعة بما يُعرف في علم الاقتصاد بـ Yen Carry Trades - والذي تجاوز حجمه أكثر من 22 تريليون دولار.

وكما يقال، دوام الحال من المحال. فبعد أكثر من 25 عامًا من متوسط معدل تضخم صفري من عام 1995 إلى عام 2020 تسلل التضخم أخيرًا إلى النظام المالي الياباني، حيث لا تمتلك اليابان أي إنتاج محلي يُذكر من النفط أو الغاز. وتستورد 100% من نفطها الخام، أي ما يعادل 2.3 مليون برميل يوميا، و99% من غازها الطبيعي، أي ما يعادل 66 مليون طن متري سنويا أو 147 مليون متر مكعب.

وقد أدت حرب أوكرانيا في فبراير 2022 إلى صدمة في أسعار الطاقة والغذاء، حيث ارتفعت واردات الطاقة من 17-18 تريليون ين في عام 2021 إلى 28-30 تريليون ين في عام 2022؛ أي ما يقارب 90 مليار دولار في عام واحد. وانعكست هذه الزيادة في التكلفة مباشرة على فواتير الكهرباء والبنزين والنقل وإنتاج الغذاء. كما أن نسبة الاكتفاء الذاتي الغذائي في اليابان لا تتجاوز 38، مع استيراد 64% من المواد الغذائية، ما يبرز اعتماد اليابان الكبير على السلع الأساسية الأجنبية، بتكلفة بلغت 11.6 تريليون ين (77 مليار دولار). وقد أدى ذلك إلى ارتفاع معدلات التضخم من صفر في عام 2022 إلى 4% في عام 2023، ثم إلى 3% في عام 2024، وهي أرقام لم تتحقق منذ 40 عاما. وقد أدى كل ذلك إلى انخفاض كبير في قيمة الين. ففي 29 أبريل 2024، تراجع الين إلى حوالي 160.25 ين للدولار الأمريكي، مسجلًا أضعف مستوى له منذ أبريل 1990.

وفي نوفمبر الماضي، وافقت الحكومة اليابانية على حزمة تحفيزية حجمها 21.3 تريليون ين (137 مليار دولار)، وهي أكبر خطة إنفاق من نوعها منذ بدء الجانحة. وفي نفس الوقت، تستهدف اليابان إنفاقا دفاعيا قياسيا بميزانية دفاع لعام 2026 تتجاوز حاجز 9 تريليون ين (57.9 مليار دولار) من إجمالي ميزانية سنوية تبلغ 122.3 تريليون ين، والواقع أن استمرار ضعف الطلب على السندات وما يصاحبه من ارتفاع في العوائد سيؤدي إلى زيادة تكاليف الاقتراض في جميع أنحاء اليابان، ما سيؤثر على الحكومة والشركات والأسر.

وهناك بالفعل مخاوف بشأن عبء الديون الهائل الذي تعاني منه اليابان، كما يضع ذلك بنك اليابان في موقف صعب، حيث يوازن بين الدعوات إلى إبقاء تكاليف الاقتراض منخفضة والحاجة إلى رفع أسعار الفائدة للسيطرة على التضخم.

تعتبر سوق السندات اليابانية، التي تبلغ قيمتها 7.5 تريليون دولار، من أكثر الأسواق استقرارا منذ عقود. إلا أن الطلب عليها تراجع حديثا، ما أدى إلى انخفاض أسعار السندات، وارتفاع العوائد تبعا لذلك. لطالما كان البنك المركزي الياباني المشتري الرئيسي للسندات الحكومية اليابانية. وكانت البلاد، حتى وقت قريب، تعاني انكماش أسعار منذ تسعينيات القرن الماضي، وهو ما يسمى العقود الضائعة. 

وكان شراء السندات، الذي يسمح للحكومة بإصدار مزيد من الدين وزيادة الإنفاق نتيجة لذلك، جزءا من استراتيجية بنك اليابان لتحفيز الاقتصاد. لكن مع خروج اليابان من انكماش الأسعار وتوقف تركيزها على دعم الاقتصاد من خلال شراء سندات، بدأ البنك المركزي بتقليص حيازاته الضخمة، التي بلغت مستوى قياسي في نوفمبر 2023. ومع تراجع بنك اليابان، لم يعد هناك عدد كاف من المشترين الآخرين لاستيعاب العرض، ما أدى إلى ضعف الطلب. والواقع أن تمويل خطة الإنفاق الطموحة لليابان يتم بطريقتين فقط، إما عن طريق إصدار سندات جديدة، ولكن الطلب عليها ضعيفًا، أو عن طريق تصفية أجزاء من محفظة السندات. 

وأجبر بنك اليابان المركزي على بيع كميات كبيرة من حيازاته من السندات، وتصفية مراكزه في الذهب الذي انخفض سعره في 30 يناير الماضي من ذروة بلغت 5595 دولارا للأوقية إلى 4900 دولار، كما انخفض سعر الفضة بشكل حاد من 122 دولارا للأوقية إلى 78 دولارا للأوقية. وكانت الولايات المتحده في المواجهه، في ضوء الحجم الكبير لمحفظة اليابان من سندات الخزانة الأمريكية، وجاء الرد الحاسم من الرئيس ترامب بتأكيد سياسة الولايات المتحدة المتمثلة في الحفاظ على قيمة منخفضة للدولار، كما نص عليها في ما يسمى باتفاق مارالاغو الذي تبلور في بداية عام 2025، والذي يكتسب زخما الآن. هذا في الواقع تكرار الاتفاقية بلازا عام 1985 (التي عقدت في فندق بلازا بمدينة نيويورك، والذي امتلكه ترامب لاحقا في عام 1988 لخفض قيمة الدولار مقابل الين من خلال التدخل في أسواق العملات انخفضت قيمة الدولار بنسبة 40%، إلا أن ذلك لم يقلل بشكل كبير من العجز التجاري بين الولايات المتحدة واليابان، وهي المسألة التي تم تصحيحها لاحقا باتفاقية اللوفر في باريس عام 1987، والتي هدفت إلى وقف انخفاض الدولار وتثبيت أسعار الصرف حيث تجاوز الانخفاض الحد المسموح به.

*الدكتور نبيل زكي أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل بجامعة نيويورك

تابع مواقعنا