الاحتفالات الدينية بالنكهة المصرية
في مصر لا تُعاش المناسبات الدينية والاجتماعية كتواريخ عابرة في التقويم، بل كحكايات متجددة تُروى في الشوارع والبيوت والذاكرة الشعبية لتشكل لوحة فنية مصرية ذات خصوصية فولكلورية وشعبية فريدة، لكل مناسبة طقسها الخاص لكن القاسم المشترك بينها جميعًا يكمُن في الروح المصرية والتراث والموروث المصري الممتد عبر السنين.
رمضان يأتي إلى المصريين كضيفٍ قديم يعرف طريقه جيدًا، وتعلن قدومه الزينة المعلقة بين البيوت بالشوارع والحارات، ويؤكده صوت مدفع الإفطار الذي لا يزال حاضرًا رغم تغيّر الزمن يعقبه أذان المغرب بصوت محمد رفعت، وعلى الموائد تجتمع أطباق الأكلات المصرية وسط تجمعات عائلية وروح صافية، بينما يملأ الأطفال الشوارع بفوانيسهم وأغانيهم، وبعد الإفطار تتحول المقاهي إلى مسارح صغيرة للحديث والمسلسلات ويأتي المسحراتي ليلًا بصوته الحنون ليوقظ المدينة لا الأفراد فقط، في أماكن أخرى يمر رمضان في صمتٍ أقرب إلى الخشوع أما في مصر فيجمع بين العبادة والبهجة وبين المسجد والشارع.
وتتجلى الخصوصية نفسها في المولد النبوي الشريف الذي يتحول إلى مهرجان شعبي بملامح روحية تنتشر فيه حلقات الذكر والمدائح النبوية ويملأ باعة الحلوى الطرقات بعرائس المولد المصنوعة من السكر وأحصنة المولد الملوّنة وهذه الرموز البسيطة ليست مجرد حلوى، بل ذاكرة بصرية تربط الطفل بالمناسبة قبل أن يعرف معناها الديني الكامل.
أما عيد الفطر، فيأتي كابتسامة بعد صبر طويل تخرج العائلات لصلاة العيد في الساحات وتبدأ الزيارات وتوزيع الكعك والبسكويت ؛ للعيد في مصر طابع منزلي دافئ حيث تتبادل البيوت الأطباق والتهاني فيشعر الإنسان أن الفرح حقٌ مشاع للجميع وعيد الأضحى يحمل روحًا مختلفة؛ روح المشاركة في الأضحية حيث لا يكتمل المعنى إلا بتوزيع اللحم على الأقارب والفقراء فيتحول الطقس الديني إلى فعل اجتماعي مباشر ؛ وما يشترك فيه العيدين هو تجلي دور العرض السينمائية وتزينها بأفيشات الأفلام الحديثة وتفتح المسارح أبوابها للرواد وتزدحم مناطق وسط البلد بكل محافظة وانتشار المتنزهين بطول الكورنيش سواء كان كورنيش بحر او كورنيش النيل الخالد.
ويأتي شم النسيم بجذوره الفرعونيّة القديمة ليؤكد أن المصريين بداخلهم چين يعود إلى آلاف السنين فهُم يحتفلون بالحياة، الناس يخرجون إلى الحدائق والنيل يحملون الفسيخ والبيض الملوّن وكأنهم يجددون عهدهم بالربيع وبالفرح البسيط والأطفال يضعون البصل الأخضر أسفل الوسادة قبل النوم في اعتقاد قديم أن البصل سيجدد الحياة ويصنع الفرص والحظ.
في كثير من البلدان، تُعاش هذه المناسبات في إطارها التعبدي أو الرسمي أما في مصر فتتحول إلى مشاهد يومية تشترك فيها البيوت والشوارع والأغاني والعادات وهنا تكمن الخصوصية فالدين والفرح والتاريخ الشعبي تذوب في قالب واحد ليصير الاحتفال ليس مجرد طقس بل أسلوب حياة له نكهة لا تشبه سواها، إنها النكهة المصرية الخالصة.


