حين يصبح كل عمل رقم واحد
مع اقتراب موسم رمضان من كل عام تدخل الشاشات العربية حالة استنفار درامي قصوى القنوات، والنجوم يتأهبون والجمهور يشاهد، لكن هناك فئة تستعد أكثر من الجميع وهي لجان السوشيال ميديا، الكائنات الرقمية الخارقة التي تمتلك قدرة فريدة على مشاهدة المسلسل وتحليله وتقييمه قبل عرضه أصلًا.
فبعد أول حلقتين فقط يبدأ سيل التصريحات المعتاد.. هذا العمل «الأعلى مشاهدة» وذاك «الأكثر تداولًا»، وثالث «تريند رقم واحد» ولو صدقنا كل هذه البيانات سنكتشف أن كل المسلسلات تحتل المركز الأول في الوقت نفسه وكأننا أمام بطولة رياضية بلا مركز ثانٍ.
لكن السر الحقيقي خلف هذه الظاهرة ليس الجمهور بل جيش التعليقات المنضبطة التي تظهر فجأة بنفس الصياغة، بنفس الحماس، وبنفس علامات التعجب. حسابات تبدو كأنها خرجت من مصنع واحد:
“تحفة فنية ”
“أفضل مسلسل في التاريخ”
“اللي مش بيتفرج خسران”
حتى يخيل إليك أن هناك اجتماعًا صباحيًا عُقد لتوزيع الجُمل قبل بدء الحلقة.
الطريف أن هذه اللجان تشاهد العمل بسرعة خارقة.. الحلقة مدتها ٤٥ دقيقة، لكن التقييمات الكاملة تنزل بعد ٣ دقائق فقط من البداية مراجعات نقدية، تحليلات للشخصيات، إشادات بالإخراج والتصوير كل ذلك بينما البطل نفسه لم يظهر بعد في المشهد الأول.
والمفارقة أن كل بطل يخرج بعدها في تصريح صحفي بنبرة المنتصر في معركة تاريخية ليعلن أن مسلسله متصدر بلا منافس.. منافس مين؟ لا أحد يعرف لكن المهم أن الصدارة حاضرة والأرقام جاهزة والجداول الإحصائية متألقة حتى لو كانت صادرة من جهة اسمها "مصادر مطلعة".
في النهاية، يبدو أن المنافسة الحقيقية في موسم رمضان لم تعد بين المسلسلات… بل بين البيانات الصحفية والتعليقات الجاهزة فكل بيان يريد أن يكون الأعلى مشاهدة وكل تعليق يريد أن يكون الأكثر حماسًا، وكل لجنة تريد أن تثبت أنها شاهدت العمل قبل عرضه وربما قبل تصويره.
ويبقى الأمل ونحن نستقبل هذا الموسم السنوي الصاخب أن تحمل الإعلانات قدرًا من الذوق قبل الميزانية وألّا تتحول فواصلها إلى استعراض مبالغ فيه أو رسائل قد تجرح مشاعر البسطاء، فالمشاهد لا يطلب معجزة فقط يريد أن يشاهد عملًا يحترم عقله وإعلانًا لا يختبر صبره أو يستفز مشاعر الغالبية العظمي من الشعب.
رمضان كريم ومشاهدة ممتعة لأي مسلسل تختاره أنت لا الذي اختارته لك!


