الأحد 03 مايو 2026
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات
محافظات

مدرسة رمضان.. شهر الصبر والروحانية وبناء الشخصية وفرصة للتغيير

السبت 21/فبراير/2026 - 07:08 م

يحل شهر رمضان من كل عام كنفحة ربانية ومنحة إلهية ينتظرها المسلمون، في وقت تكون القلوب فيه قد أنهكتها تقلبات الحياة وأثقلتها هموم الدنيا، فيأتي الشهر الفضيل ليعيد ترتيب كل ذلك، ويضبط الإيقاع الروحي، ويمنح الفرد منا فرصة حقيقية للمراجعة والتصحيح، فنهار رمضان "وقت الصيام" ليس مجرد وقت يمتنع فيه المسلمون عن الطعام والشراب، إنما هو موسم حقيقي للتربية والتزكية والإصلاح، وميدان لتعلم معاني الإيمان والصبر والعطاء.

في ظاهره يبدو وأن الصيام امتناعًا عن مباحات اعتادها الإنسان في يومه، لكنه في جوهره أعمق من ذلك بكثير، فهو تدريب عملي على ضبط النفس، وكبح الشهوات، واستحضار رقابة الله في السر قبل العلانية.


حين يمتنع الصائم عن الأكل أو الشرب وهو لا يراه أحد، فإنه بذلك ينتصر لضميره وقلبه، ويؤكد أن قلبه لا يزال يحيى بإخلاص بينه وبين ربه.. من هذا المنطلق تتجلى الغاية الكبرى التي من أجلها شرع الله الصيام كما أشار إليها القرآن الكريم في آيات الصوم من سورة البقرة في قوله تعالى: "لعلكم تتقون".

كما تتجاوز رسالة الصيام حدود القدرة الجسدية في الامتناع عن الطعام والشراب، وتمتد إلى تهذيب السلوك الإنساني،  وتقويم الأخلاق التي أصبحنا في أمس الحاجة إلى ترسيخها، وهذا ما أكده الحديث الشريفالذي ورد في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الصيام جُنّة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم".


ومن أبرز الدروس التي يغرسها رمضان في النفوس أيضًا قيمة الصبر.. ساعات الصيام الطويلة، مهما بدت شاقة، في النهاية تنقضي وتمضي، ويعقبها فرح الإفطار وطمأنينة الإنجاز الذي تحقق.. ليتجدد اليقين بأن وراء كل مشقة فرجًا، ولكل شدة نهاية، وأن الصبر مفتاح لكل مغاليق الحياة.


ولم يكن رمضان في التاريخ الإسلامي شهر عزلة أو اعتكاف بالمساجد فحسب، بل كان شهر حركة وبركة وكفاح ونجاح وكتابة تاريخ حافل بالأمجاد والانتصارات،  ففيه وقعت أولى المعارك غزوة بدر الكبرى في السنة الثانية للهجرة، وفيه تم فتح مكة في السنة الثامنة، كما شهد معركة عين جالوت بقيادة سيف الدين قطز عام 658 هجريًا، وفيه فتح المسلمون بلاد الأندلس بقيادة طارق بن زياد عام 92 هجريًا، حين عبر إليها قادمًا من شمال إفريقيا.

وفي العصر الحديث، جاء انتصار العاشر من رمضان عام 1393 هجريًا، الذي وافق ميلاديا أكتوبر 73، في معركة قوية خاضها خير أجناد الأرض على أرض سيناء الحبيبة.. وجميع تلك المعارك التي خاضها المسلمون في رمضان باءت بالنصر والفتح المبين.. حيث يؤكد هذا ويرسخ بما لا يدع مجالًا للشك أو الظن، أن روح الصيام لا تعني التكاسل ولا تقتصر على العبادات الروحية، بل تعزز الإرادة ويمنح طاقة معنوية قوية قادرة على صناعة الأمجاد والبطولات.

خلاصة القول، رمضان مدرسة ربانية متكاملة تبدأ من إصلاح الفرد، وتمر بتهذيب المجتمع،  فمن يراقب ربه في خلوته استقامت علانيته، ومن استقامت علانيته أصبح أكثر نفعًا لمجتمعه ووطنه.. لذلك ما أعظم مدرسة رمضان، لم لا، وهي السبيل لتخرّج أمة قوية واعية، لا ينفك تاريخها عن حاضرها.

تابع مواقعنا