نائب وزير الصحة: تجربة تكليف جميع الخريجين أثرت على جودة الخدمة
أكد الدكتور محمد الطيب، نائب وزير الصحة والسكان، أن تطبيق منظومة حوكمة التكليف يمثل خطوة إصلاحية ضرورية لإعادة ضبط توزيع القوى البشرية داخل القطاع الصحي، بما يحقق التوازن بين حق المواطن في خدمة صحية ذات جودة، وحق الخريج في بيئة عمل تتيح له اكتساب خبرة حقيقية وتطوير مهني مستدام.
وأوضح نائب الوزير، في منشور له على صفحته الشخصية بموقع فيسبوك موجه إلى أعضاء المهن الطبية، أن الدولة انتقلت من منطق تكليف جميع خريجي كليات القطاع الصحي دفعة واحدة، إلى منطق التكليف وفق الاحتياج الفعلي المستند إلى تخطيط علمي للقوى العاملة، لافتًا إلى أن التجربة السابقة – رغم استيعابها للأعداد المتزايدة من الخريجين – أفرزت تحديات تشغيلية أثرت على كفاءة الأداء وجودة الخدمة وفرص التدريب.
الأساس القانوني للتكليف
وأشار الدكتور محمد الطيب إلى أن التكليف ينظمه قانون رقم 29 لسنة 1974، الذي منح وزير الصحة سلطة تكليف خريجي كليات القطاع الصحي للعمل في الجهات الحكومية لمدة محددة لسد احتياجات المنظومة الصحية، مؤكدًا أن جوهر القانون يتمثل في تلبية احتياجات الدولة الصحية، وليس تعيينًا تلقائيًا لكل خريج.
وأضاف أن اللجنة العليا للتكليف، التي تضم ممثلين عن الوزارة والنقابات والجهات المعنية، تختص بتحديد الأعداد المطلوبة وفق بيانات الاحتياج الفعلي، استنادًا إلى تخطيط علمي يحقق التوازن بين العرض والطلب.
وكشف أن اللجنة العليا للتكليف أقرت في عام 2022 – بحضور ممثلي النقابات وبالتنسيق مع لجنة الصحة بمجلس النواب – توصيات تعتمد التكليف وفقًا للاحتياج الفعلي، استنادًا إلى قرار مجلس الوزراء رقم 218 لسنة 2022، والكتاب الدوري رقم 5 لسنة 2025 الصادر عن الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، بما يمثل تحولًا مؤسسيًا نحو تخطيط قوى عاملة مدروس.
قراءة رقمية لأعداد العاملين والاحتياج
واستعرض نائب وزير الصحة أرقامًا توضح الفجوة بين الاحتياج الفعلي والأعداد القائمة في بعض التخصصات، موضحًا أنه في تخصص طب الأسنان بلغ الاحتياج الفعلي عام 2022 نحو 3175 طبيبًا، في حين بلغ عدد العاملين في العام نفسه 28.685 طبيبًا، وارتفع العدد في عام 2026 إلى 47.299 طبيب أسنان داخل الجهات التابعة للوزارة.
وفيما يتعلق بتخصص الصيدلة، أشار إلى أن الاحتياج الفعلي عام 2022 بلغ 3525 صيدليًا، مقابل 51.286 صيدليًا على رأس العمل في العام ذاته، ليرتفع العدد إلى 103.782 صيدليًا في عام 2026.
أما في تخصص العلاج الطبيعي، فبلغ الاحتياج الفعلي عام 2022 نحو 1026 أخصائي علاج طبيعي، مقابل 8.808 أخصائيين في العام نفسه، ليصل العدد إلى 18.411 أخصائيًا في عام 2026.
وأكد أن هذه الأرقام تعكس أن التحدي لا يتعلق بنقص إجمالي في الأعداد، وإنما بوجود فجوة بين الاحتياج الفعلي وحجم القوى البشرية في بعض التخصصات والمواقع، ما أدى إلى تكدس داخل عدد من المنشآت، وتراجع متوسط الخبرة العملية، وانخفاض كفاءة التشغيل.
تحديات النظام السابق
وأوضح الدكتور محمد الطيب أن تكليف جميع الخريجين دون ربط دقيق بالاحتياج أسفر عن زيادات تفوق المعدلات التشغيلية المطلوبة في بعض المديريات، وانخفاض فرص الممارسة الفعلية نتيجة تضخم الأعداد مقارنة بحجم الخدمة، وتأثر جودة التدريب والخبرة المهنية، إلى جانب استمرار فجوات في مواقع أخرى تحتاج إلى دعم حقيقي ومستدام.
وشدد على أن هذا التفاوت لا يخدم المهنة ولا المواطن، ويؤكد ضرورة الانتقال إلى نموذج تخطيط علمي يضمن توزيعًا أكثر عدالة جغرافيًا، وبيئة عمل تمنح المكلف خبرة حقيقية، ورفع جودة الخدمات الصحية المقدمة، وتحقيق استقرار تنظيمي وإداري داخل المنظومة.

معايير العدالة والشفافية
وأشار نائب الوزير إلى أن ترتيب الخريجين يتم وفق المجموع التراكمي الكلي، باعتباره معيارًا موضوعيًا مجردًا يحقق التكافؤ والحياد والشفافية، وهو عرف إداري مستقر منذ سنوات طويلة في منظومة التكليف.
رسائل إلى غير المكلفين
ووجه الدكتور محمد الطيب رسالة إلى الخريجين غير المكلفين، مؤكدًا أن عدم التكليف لا يمثل نهاية المسار المهني، بل يفتح آفاقًا واسعة للعمل في المستشفيات الخاصة والعيادات والمراكز الطبية المستقلة، في ظل تعميم منظومة التأمين الصحي الشامل، التي تتيح فرصًا متكافئة داخل شبكة مقدمي الخدمة دون تفرقة بين القطاعين الحكومي والخاص.
كما أعرب عن تقديره للزملاء الراغبين في الالتحاق بالوظيفة العامة ودفاعهم عن حقهم في التكليف الكامل، داعيًا في الوقت نفسه إلى الاستماع لآراء العاملين الذين يعانون من التكدس وقلة فرص التدريب وضعف الأجور، مؤكدًا أن الحوار المهني الموضوعي هو السبيل لبناء نظام أكثر عدلًا وكفاءة.
واختتم نائب وزير الصحة تصريحه بالتأكيد على أن حوكمة التكليف تمثل خطوة إصلاحية تضع مصلحة المهنة وجودة الخدمة في مقدمة الأولويات، وتؤسس لمنظومة صحية أكثر كفاءة وعدالة واستدامة.









