السبت 02 مايو 2026
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات
محافظات

هبة حسب تكتب: بين أبي والسيد بان كي مون

الإثنين 23/فبراير/2026 - 01:04 م

التقيتُ السيد بان كي مون، الأمين العام السابق للأمم المتحدة أثناء زيارته لمصر في العام 2011-وكان وقتها لا يزال يشغل المنصب، كان لقاء سريعًا خلال جولة دبلوماسية قام بها في مصر بعد ثورة يناير وكنتُ أنا أعمل مدير مكتب إعلامي أقدم الاستشارات الإعلامية للمؤسسة التي أعمل بها كما أؤدي مهمة تنسيقيّة بين المنصات والقنوات الإعلامية لتغطية الأحداث التي تقيمها المؤسسة. 

مهلًا.. لا تنخدع عزيزي القارئ في هذه المقدمة الجادة فكثير من المقدمات الجادة تؤدي في النهاية إلى السخرية.


عودة سريعة إلى بان كي مون؛ كنتُ وقتها أكتب مقالات وتحقيقات ثقافية في مطبوعة شهرية متخصصة ولم أكن أنتمي إلى جريدة أو موقع صحفي ذي طبيعة حرّة متنوعة، ربما لهذا السبب لم يخطر ببالي آنذاك أن أطلب إجراء حوار صحفي مع السيد بان كي مون، حتى لو لم أنشره حينها فلربما ضمّته صفحات كتاب أكتبه لاحقًا.


عدتُ لأبي يومها وأنا سعيدة بهذا اللقاء وجهًا لوجه مع "بان كي مون" ولا أعرف بالضبط سبب سعادتي، لكنني على ما يبدو صدمتُ أبي وأحبطته وكدتُ أصيبه بجلطة حين سألني بحماس شديد: ماذا دار بينكما، ماذا قلتِ له؟ فأجبته: الجميع تحدّثوا، وأنا آثرتُ الصمت!
لم أفهم طوال سنوات عشتُها مع أبي نتفق ونختلف حول الأمور الحياتية بمختلف اتجاهاتها وأهمياتها، هذا الحب والاحترام الذي يكنُّه لمذكرات الساسة والدبلوماسيين؛ لدرجة أنني كنتُ ممددة على سرير إحدى المستشفيات أرتدي جاون العمليات الأزرق وأتلقى قياس رسم قلب وضغط تمهيدًا لإجراء جراحة عاجلة، أستشعر برودة أطرافي ودقات قلبي العالية التي جعلت طبيبي المعالج يعيد قياس رسم القلب عدة مرات مع محاولة تهدئتي حتى يمكننا دخول العملية وأنا أحاول بالكاد السيطرة على أنفاسي اللاهثة، لأجد أبي وقد انسلت من جواري حين رأى على طاولة الغرفة مذكرات وزير الخارجية المصري الأسبق إسماعيل فهمي "التفاوض من أجل السلام في الشرق الأوسط".

أحضر زوجي الكتاب لقراءته مدة بقائي في العمليات كعادته الدائمة في اصطحاب كتاب في مشاويره الطويلة. ومن هنا بدأ أبي وزوجي حوارًا حول الكتاب وتركاني بين يدي ممرضة تعيد رسم القلب وغرفة عمليات مُعدّة لاستقبالي، ولم يبق إلا أخي الأصغر مصطفى الذي حمدتُ الله وقتها أنه لا يحب القراءة ولم ينجرف خلف الكتاب هو الآخر.


الغريب إنني بعد الخروج من الإفاقة وأنا بين الصحو والمُخدِّر كنت أفيق على جمل طويلة كلُّها تحمل في أولها أو آخرها اسم إسماعيل فهمي!.


لا أذكر عدد المرات التي أراد لي أبي فيها دخول كلية الحقوق ومنها إلى النيابة الإدارية، ولا أذكر عدد المرات التي تعاركنا فيها كي يقنعني بالتقديم في اختبارات وزارة الخارجية، ولا أذكر كم مرة أحبطتُه حين أبديتُ عدم اهتمام بكل هذه الدوائر التي يهتم لها هو بينما أنا لا أنتمي إليها حتى بهامش الشعور.

أتخيلُ مصيري لو كنتُ أنتمي؛ مصيرًا مغايرًا تمامًا عن الحياة الهادئة التي اخترتها لنفسي في عالم الكتابة والكُتّاب لكنني حاولتُ قدر المستطاع إسعاده ببعض الخطوات التي تملأ صورة بداخله كان يتمنى رؤيتي عليها، بينما أنا أحبطته وخذلته وأصبحتُ كاتبة.


رضي عني أبي حين جاءتني صدفة أحَبَّها هو كثيرًا، كنت وقتها أعملُ في موقع إخباري يصدر باللغة الإنجليزية اسمه  The Cairopost انضممت له لفترة وجيزة لكنني حاورتُ خلال عملي فيه سيادة السفير بدر عبد العاطي وزير الخارجية المصري الحالي حين كان وقتها متحدثًا باسم الخارجية المصرية، عدتُ إلى أبي أقرأ عليه الحوار الذي كان منشورًا بالانجليزية وأنا أتمنى بداخلي أن أصلح الخطأ الأكبر -من وجهة نظره- الذي اقترفتُه يوم بان كي مون.


وبعد هذا اللقاء، بعد أن التمستُ شيئًا من حريّة في الاختيار، تحوّلتُ تدريجيًا إلى أبي: أُقبلُ بنهم على السير الذاتية للساسة والدبلوماسيين، وأستمتع بمهارة الهيمنة على طاولات التفاوض في الغرف المغلقة، فن المساومة وتحديد الحدود الأقصى للمكاسب والحدود الأدنى للتنازلات، الإصرار على الحق والتشبُّث بحيازته دون الوقوع في خطيئة الجمود. 

وكلما انتهيتُ من كتابٍ جديد تمنيتُ لو أن أبي كان هنا لأحكيه عن هذا الشخص أو هذه الفترة من تاريخ مصر أو حقائق سردها ذلك الشخص الذي أصبحنا نعرف من سيرته أكثر مما أوضحت شاشات التلفاز.

تابع مواقعنا