حين يصبح العمر مجرد رقم.. عصام الحضري حكاية السد العالي الذي تحدى الزمن
في كرة القدم، كثيرون يلمعون لسنوات قليلة ثم يخفت بريقهم سريعًا، لكن قلة فقط ينجحون في تحدي الزمن نفسه، ومن بين هؤلاء يبرز اسم عصام الحضري، الحارس الذي لم يكن مجرد لاعب يدافع عن المرمى، بل كان حكاية صبر وعناد وإيمان لا يتزعزع بالقدرة على الاستمرار، ومن شوارع دمياط البسيطة إلى أكبر ملاعب العالم، صنع الحضري مسيرة استثنائية جعلته رمزًا لحراسة المرمى في مصر وإفريقيا، وأيقونة للإصرار في وجه كل الصعوبات.
لم يكن طريقه مفروشًا بالورود، بل كان مليئًا بالتحديات، والقرارات المثيرة للجدل، واللحظات الفاصلة التي صنعت منه أسطورة حقيقية.
ويستعرض القاهرة 24 في التقرير التالي رحلة عصام الحضري المميزة، في سلسلة متواصلة مع حضراتكم طوال شهر رمضان المعظم تحت عنوان نجوم رمضان
البدايات من دمياط.. شخصية تتشكل في ورشة نجارة
وُلد عصام كمال توفيق الحضري في 15 يناير 1973 بمدينة كفر البطيخ بمحافظة دمياط، ونشأ في أسرة بسيطة، حيث كان والده يعمل في مجال صناعة الأثاث، وتلك البيئة المتواضعة ساهمت في تكوين شخصيته الصلبة فقد تعلم منذ الصغر معنى الالتزام والعمل الجاد.
بدأ الحضري رحلته الكروية في صفوف نادي دمياط، ولعب في قطاع الناشئين قبل أن يصعد للفريق الأول وهو في الـ17 من عمره، وبين عامي 1993 و1996، حرس مرمى دمياط في دوري الدرجة الثانية، ولفت الأنظار بجرأته وردود فعله السريعة وشخصيته القيادية رغم صغر سنه، ولم يكن مجرد حارس موهوب، بل كان صاحب حضور قوي داخل الملعب.

محطة التحول الكبرى.. المجد مع الأهلي
شكل عام 1996 نقطة تحول حاسمة في مسيرة الحضري، عندما انتقل إلى النادي الأهلي، وهناك بدأت مرحلة صناعة التاريخ، وعلى مدار 12 عامًا داخل القلعة الحمراء، أصبح الحضري الحارس الأول بلا منازع، وشارك في أكثر 367 مباراة، ولم يكن دوره يقتصر على التصدي للكرات، بل كان قائدًا حقيقيًا داخل الملعب، يوجه الدفاع، ويحمس زملاءه، ويزرع الثقة في الفريق.

خلال تلك الفترة، حصد مع الأهلي عددًا هائلًا من البطولات، أبرزها:
- 8 بطولات دوري مصري
- 4 كؤوس مصر
- 4 كؤوس سوبر محلي
- 3 ألقاب دوري أبطال إفريقيا
- 3 كؤوس سوبر إفريقي
- خاض مع الأهلي في كافة البطولات 367 مباراة
- اهتزت شباكه في 209 لقاء
- خرج من 215 لقاء بشباك نظيفة.
وكان الحضري أحد الأعمدة الرئيسية في الجيل الذهبي للأهلي في الألفية الجديدة، خاصة في البطولات القارية، حيث لعب دورًا حاسمًا في لحظات صعبة ومباريات مصيرية.
الرحيل المثير للجدل.. قرار قلب الموازين
في عام 2008، اتخذ الحضري قرارًا هز الوسط الكروي المصري، بعدما رحل إلى نادي سيون السويسري دون موافقة الأهلي، ما تسبب في أزمة قانونية وعاصفة جماهيرية ضده، وانتقاله إلى نادي سيون فتح باب الاحتراف الأوروبي أمامه، لكنه في الوقت نفسه وضعه في مواجهة مباشرة مع جماهير الأهلي التي رأت في القرار خروجًا صادمًا، وخاض الحضري تجربة قصيرة في سويسرا، قبل أن تتنقل مسيرته بين عدة محطات داخل وخارج مصر.

رحلات متعددة.. وخبرة لا تنتهي
بعد تجربة سيون، لعب الحضري لعدة أندية، أبرزها، المريخ السوداني والإسماعيلي والزمالك ووادي دجلة والتعاون السعودي.
ولم تقلل تنقلاته الكثيرة من قيمته الفنية، بل أكدت قدرته على التأقلم والاستمرار، وفي السعودية، سجل هدفًا نادرًا لحارس مرمى، ليضيف لقطة استثنائية جديدة إلى سجله الحافل.
شاهد هدف الحضري في الدوري السعودي من هنا
ثم عاد بعدها إلى الإسماعيلي، ثم أنهى مسيرته في نادي نجوم إف سي، قبل أن يعلن اعتزاله رسميًا في نوفمبر 2020، بعد مسيرة امتدت قرابة ثلاثة عقود.

المجد القاري.. سيد أمم إفريقيا
إذا كان تألق الحضري مع الأهلي لافتًا، فإن إنجازاته مع منتخب مصر كانت أكثر بريقًا، إذ بدأ مشواره الدولي عام 1996، وشارك في 159 مباراة دولية، ليصبح أحد أكثر اللاعبين تمثيلًا للمنتخب الوطني، وقاد المنتخب للتتويج بأربع بطولات من كأس الأمم الإفريقية أعوام 1998 و2006 و2008 و2010، وكان عنصرًا حاسمًا في ثلاثية 2006–2010 التاريخية.
وفي نهائي 2006 بالقاهرة، قدم أداءً بطوليًا، وتصدى لركلات ترجيح حاسمة أمام منتخب كوت ديفوار، ليقود مصر إلى لقب غالٍ أعاد الهيبة للكرة المصرية، وتم اختياره أفضل حارس مرمى في البطولة أكثر من مرة، تأكيدًا على مكانته القارية.

مونديال روسيا.. كتابة التاريخ في سن الـ45
توجد لحظة فارقة أخرى في مسيرته، وجاءت في كأس العالم 2018، وبعد سنوات طويلة من الانتظار، حقق الحضري حلم المشاركة في كأس العالم، وحرس عرين الفراعنة في مباراة مصر أمام السعودية، وأصبح أكبر لاعب سنًا يشارك في مباراة بكأس العالم، بعمر 45 عامًا و161 يومًا، محطمًا رقمًا قياسيًا عالميًا، ورغم خسارة اللقاء، تألق الحضري وتصدى لركلة جزاء، مؤكدًا أن العمر لم يكن عائقًا أمام طموحه.

أرقام وإنجازات.. لغة لا تكذب
وعلى مدار مسيرته، خاض الحضري أكثر من 800 مباراة بين الأندية والمنتخب، وتُوّج بما يقارب 38 لقبًا، ليُعد من أكثر اللاعبين المصريين تتويجًا في التاريخ، وامتدت مسيرته من 1993 حتى 2020، وهي فترة نادرًا ما يحققها لاعب في مركز يتطلب تركيزًا ولياقة ذهنية وبدنية عالية مثل حراسة المرمى،و تميز بردود فعل استثنائية، وشخصية قوية، وقدرة مذهلة على العودة بعد الأزمات.
ما بعد الاعتزال.. نقل الخبرة إلى الأجيال الجديدة
بعد تعليق القفازات، لم يبتعد الحضري عن المستطيل الأخضر، بل اتجه إلى التدريب، وتولى مهمة تدريب حراس المرمى في عدة تجارب، سعيًا لنقل خبراته الطويلة إلى الجيل الجديد، وتحول من حارس أسطوري إلى معلم، مستفيدًا من تجاربه المتنوعة داخل وخارج مصر، ومن احتكاكه بمدارس كروية مختلفة، ورغم الجدل الذي أحاط ببعض محطاته، يبقى تأثيره الفني حاضرًا بقوة في تاريخ الكرة المصرية.

ولديه خبرة جيدة في التدريب، إذ شغل منصب مدرب حراس مرمى منتخب مصر للمحللين أو الأوليمبي من 2022 إلى 2023، وتولى نفس المنصب مع منتخب مصر الأول في الفترة من 2021 إلى 2022، ثم خاض تجربة مع منتخب سوريا في 2023.



