السبت 02 مايو 2026
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات
محافظات

صحاب الأرض

الخميس 26/فبراير/2026 - 06:52 م

بلا أي دعاية مسبقة أو ضجيج، وجدنا أنفسنا خلال موسم الدراما الرمضاني لهذا العام على موعد مع ملحمة تليفزيونية غاية في الروعة، تجسد بشكل إبداعي أبشع عدوان في تاريخنا المعاصر، ذلك الذي استمر لعامين على قطاع غزة، وشهد كل أنواع الانتهاكات، ولم يترك حجرا على حجر، فضلا عن عشرات الآلاف من الشهداء، أغلبهم أطفال ونساء من المدنيين العزل، وذلك من خلال مسلسل صحاب الأرض.

هذا العمل الملحمي من إنتاج الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، ويعد هدية رمضانية للأمتين العربية والإسلامية بشكل خاص، وللعالم عامة، إذ يقدم القضية الفلسطينية من زاوية إنسانية عميقة بعيدا عن الشعارات، ويضع المشاهد أمام تفاصيل الحياة اليومية تحت القصف، حيث يتحول البقاء ذاته إلى معركة شرسة ومعاناة شديدة.

يقوم بدور البطولة النجمة المصرية منة شلبي، التي نراها تقدم دورا استثنائيا، أستطيع أن أقول إنه من أهم أدوارها على الإطلاق، إذ تجسد شخصية طبيبة مصرية متطوعة تدخل قطاع غزة في ذروة العدوان، فتصبح شاهدة على انهيار المنظومة الصحية بالكامل، وسط عشرات الآلاف من المصابين، في بقعة يعيش فيها قرابة مليوني إنسان تحت الحصار والنار.

ويشاركها البطولة النجم الأردني من أصل فلسطيني إياد نصار، الذي يقدم الشخصية كما لو كان هو ذلك الشاب الغزاوي بالفعل، لا ممثلا يؤدي دورا، بل إنسانا يحمل وجع الأرض على كتفيه، ويعيش تفاصيلها بكل ما فيها من خوف وفقد وأمل عنيد وعزيمة لا تلين. 

كما يضم العمل باقة مبدعة من الفنانين المصريين والعرب، جميعهم في قمة الروعة والإتقان، تحت قيادة المخرج بيتر ميمي الذي نجح في نقل الصورة بواقعية لافتة، جعلت المشاهد يشعر أنه أمام تقرير إخباري حي، لا مجرد عمل درامي.

من خلال الحلقات التي عرضت حتى الآن، يتضح أن المسلسل يركز بشكل خاص على الجانب الإنساني، وعلى كم المعاناة التي عاشها وما يزال يعيشها أهل غزة حتى اللحظة جراء هذا العدوان البشع، وكيف يتمسكون بأرضهم مهما لاقوا من عذابات، في ظل واقع يحيط بهم فيه الموت من كل اتجاه، وقد يخطف أي روح في لحظة.

ويبرز العمل كذلك مدى الإجرام الإسرائيلي، وكيف أن فكرة قصف مناطق بأكملها وتسويتها بالأرض، بغض النظر عن وجود مدنيين، أصبحت أمرا عاديا بلا مبرر، سوى ممارسة القتل والانتقام الجماعي. كما يرصد تدمير المستشفيات، وانقطاع الدواء، واستهداف الطواقم الطبية، في مشهد يعكس انهيارا كاملا للمنظومة الإنسانية قبل الصحية، بالإضافة إلى حصار خانق لا يسمع بدخول أبسط مقومات البقاء على قيد الحياة مما صنع مجاعة حقيقية راح ضحيتها المئات وربما الآلاف.

ربما شاهدنا كل ذلك وما زلنا نشاهده على الهواء مباشرة عبر شاشات القنوات الإخبارية، ونعلم جميعا حجم الكارثة، لكن يبقى توثيق هذا كله من خلال عمل درامي أمرا بالغ الأهمية، لأنه يتحول إلى وثيقة فنية وتاريخية شاهدة على ما جرى، تحفظ الذاكرة من التزييف، وتمنح الأجيال القادمة صورة حية عما حدث.

ما زلنا في بداية الشهر الكريم، وما عرض من حلقات لا يمثل سوى جزء من العمل، لكن يمكن القول إن المسلسل، حتى إن لم يتطرق بشكل مباشر إلى فكرة المقاومة، وهو أمر لا نعلم إن كان سيظهر في الحلقات القادمة أم لا، فإن تركيزه الواضح ينصب على الإنسان الغزاوي والفلسطيني بشكل عام، وعلى تمسكه بأرضه، وبمفتاح بيته الذي خرج منه نازحا، يحلم بالعودة إليه يوما ما، ويورث هذا المفتاح جيلا بعد جيل، كرمز لحق لا يسقط بالتقادم.

صحاب الأرض ليس مجرد مسلسل رمضاني، بل صرخة فنية في وجه الإنسانية، وتأكيد أن هذه الأرض لها أصحاب يعرفونها كما تعرفهم، ويتمسكون بها مهما اشتد الحصار وطال العدوان.

وأخيرا، كل الشكر لـ الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية وكل من كان سببا في إخراج هذا العمل للنور، على هذه المفاجأة العظيمة، وهذا الإبداع الذي نقلنا فعليا إلى أجواء غزة الجريحة، حتى خيل إلينا أننا لا نشاهد دراما، بل نعيش الحدث لحظة بلحظة.

تابع مواقعنا