لتحقيق حلم الـ150 مليار دولار صادرات.. كيف تسعى مصر لتعزيز الاقتصاد الوطني؟
تسعى مصر في إطار استراتيجيتها الوطنية إلى زيادة حجم صادراتها إلى 150 مليار دولار، ضمن أهدافها الاستراتيجية لتعزيز الاقتصاد الوطني وتحقيق النمو المستدام، وتعتمد الدولة في هذا الإطار على مجموعة من الآليات والخطوات العملية التي تهدف إلى مضاعفة الصادرات المصرية لأوروبا والأسواق الأخرى، بما يسهم في تحقيق عائد اقتصادي كبير يعزز قدرات الدولة المالية والتنموية.
وفي هذا السياق، قال أحمد عتابي، رئيس شعبة المصدرين والمستوردين باتحاد الغرف التجارية، إن العام الماضي استهدفت مصر تحقيق صادرات بقيمة 100 مليار جنيه، فيما تم استهداف 150 مليار جنيه صادرات خلال العام الحالي، مشيرًا إلى أن صادرات مصر بلغت نحو 48 مليار دولار خلال عام 2025. وأضاف أن الدولة بدأت منذ مطلع 2026 في فتح أسواق تصديرية جديدة وزيادة حصيلة الصادرات، ما سيدفع إلى تحقيق نمو ملحوظ خلال العام الجاري، مع التأكيد على أن متوسط نسبة نمو الصادرات السنوي يصل إلى 20%، فيما كان الحد الأدنى للزيادة في بعض السنوات 10%.
وأوضح عتابي أن تحقيق هدف 150 مليار دولار يعد أمرًا قابلًا للتحقق بسهولة، لوجود منتجات مصرية منافسة عالميًا من حيث الجودة والأسعار، مضيفًا أن الأزمة العالمية لجائحة كورونا والنزاعات الإقليمية التي أثرت على الدخل الخارجي، بما في ذلك تأثير الأحداث على قناة السويس، جعلت مصر تعتمد بشكل أكبر على الإنتاج المحلي والصادرات في مختلف المجالات. وأكد أن جودة الإنتاج المحلي باتت تضاهي المنتجات المستوردة، وتلبي احتياجات السوق المحلي وتجاوزها نحو التصدير إلى الخارج.
وأشار عتابي إلى أن الوصول إلى الهدف المحدد للصادرات لا يرتبط بزمن معين، لكنه سيتم بالتوازي مع دعم الإنتاج المحلي وتعزيز الصادرات من خلال فتح أسواق جديدة عبر السفارات المصرية، إضافة إلى عقد دورات تدريبية للمصدرين لتعريفهم بأوجه دعم التصدير وآليات الوصول للأسواق الخارجية.
التحديات والفرص أمام المصدرين
ولفت عتابي إلى أن المصدرين المصريين يواجهون تحديات عند التنافس مع دول كبيرة فالإنتاج فعلي سبيل المثال الهند والمكسيك في صادرات الخضروات والفواكه، مشيرًا إلى أن هاتين الدولتين تتمتعان بدعم حكومي كبير يشمل الأراضي الزراعية الشاسعة والتكنولوجيا الزراعية المتقدمة، ما يمنحهما ميزة تنافسية عالمية، لكنه أكد أن مصر تمتلك مزايا كبيرة في جودة المنتجات الزراعية، مثل البرتقال والفراولة، والتي تحظى بطلب كبير في الأسواق العالمية، وتصدر كميات كبيرة من البرتقال لأوروبا، والرمان والبطيخ لروسيا وشرق آسيا، فضلًا عن منتجات أخرى.
وأضاف عتابي في تصريحات خاصة لـ القاهرة 24، أن الإنتاج المحلي في الصناعات التحويلية مثل الأدوات المنزلية والسيراميك والأجهزة الكهربائية حقق تقدمًا ملحوظًا، مما منح المنتجات المصرية مكانة مرموقة في الأسواق الخارجية، وأشار إلى أن السوق الإفريقية تمثل وجهة رئيسية للصادرات المصرية، نتيجة قرب المسافة واحتياجات الدول المختلفة، حيث أصبح الاعتماد على المنتجات المصرية بدلًا من الأوروبية، مع استفادة متبادلة من استيراد منتجات مثل البن والكاكاو والكاجو والأفوكادو.
كما شدد عتابي على أهمية الشركات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر في دعم العملية التصديرية، لكونها أكثر مرونة في التعامل مع المشاكل العالمية مقارنة بالشركات الكبرى التي تركز إنتاجها على منتجات أو أسواق محددة، وأوضح أن إنشاء نحو 20 شركة صغيرة يوميًا وتعزيز إنتاجها وتوسيع أسواقها يسهم في تعزيز الصادرات ودعم الاقتصاد الوطني.
رؤية الخبراء الاقتصادية
من جانبه، أكد الدكتور علي الإدريسي، الخبير الاقتصادي، أن القطاعات الرئيسية المرشحة لقيادة الصادرات تشمل الصناعات التحويلية الكبرى وعلى رأسها الصناعات الكيماوية والأسمدة والبتروكيماويات ومواد البناء، نظرًا لامتلاك مصر طاقات إنتاجية كبيرة وتكلفة تنافسية للطاقة، كما توقع أن تلعب الصناعات الغذائية دورًا محوريًا بفضل وفرة المواد الخام الزراعية وارتفاع الطلب العالمي على الغذاء، إضافة إلى قطاع المنسوجات والملابس الجاهزة، خاصة إذا تم تعزيز التصنيع المحلي وزيادة القيمة المضافة.
وأضاف الإدريسي في تصريحات خاصة لـ القاهرة 24، أن صادرات الطاقة، بما في ذلك الغاز الطبيعي والكهرباء، إضافة إلى الخدمات غير السلعية مثل تكنولوجيا المعلومات والتعهيد والسياحة، تمثل مصادر هامة للإيرادات الدولارية، وأشار إلى التحديات الداخلية التي قد تعرقل تحقيق الهدف، وتشمل ارتفاع تكلفة الإنتاج والتمويل، وتعقيدات الإجراءات، وضعف سلاسل الإمداد المحلية، إلى جانب محدودية القدرة التنافسية لبعض المنتجات من حيث الجودة والتغليف والمعايير الدولية.
أما التحديات الخارجية، بحسب الإدريسي، فتتمثل في تباطؤ الاقتصاد العالمي، وتصاعد النزاعات التجارية، والمنافسة من دول تدعم صادراتها بشكل قوي، فضلًا عن تقلبات أسعار الشحن والطاقة وسعر الصرف العالمي.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى دور السياسات الحكومية في دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، موضحًا أن هذه الشركات تمثل القاعدة الأوسع للاقتصاد، لكنها الأقل قدرة على النفاذ للأسواق الخارجية، ولذا يتطلب دعمها توفير تمويل منخفض التكلفة، وتبسيط إجراءات التصدير، وتقديم خدمات متكاملة تشمل التدريب على المعايير الدولية والتسويق الخارجي، إلى جانب إنشاء منصات تصدير مشتركة ومراكز لوجستية لتسهيل وصول المنتجات إلى الأسواق دون أعباء كبيرة، مع التأكيد على أهمية سرعة رد أعباء التصدير لتحسين السيولة وتحفيز الإنتاج.
كما أشار الإدريسي إلى دور التكنولوجيا والابتكار في تعزيز التنافسية، موضحًا أن استخدام الأتمتة والذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم يخفض التكلفة ويرفع الجودة ويزيد الإنتاجية، فيما يفتح التحول الرقمي في التسويق والتجارة الإلكترونية أسواقًا جديدة دون الحاجة لوجود مادي، كما يتيح الابتكار إنتاج سلع ذات قيمة مضافة أعلى بدلًا من تصدير المواد الخام منخفضة العائد.
وعن تأثير العوامل الاقتصادية العالمية، أشار الإدريسي إلى أن سعر الصرف يلعب دورًا مزدوجًا؛ إذ انخفاض العملة المحلية قد يعزز تنافسية الصادرات لكنه يرفع تكلفة المدخلات المستوردة، بينما يزيد نمو الاقتصاد العالمي الطلب على الواردات ومن ثم على الصادرات المصرية، في حين تؤدي فترات الركود إلى تراجع الطلب، مع تأثير مباشر لأسعار الفائدة العالمية وتكاليف الشحن وسلاسل الإمداد على القدرة التصديرية لمصر.


