من بحر البقر إلى ميناب الإيرانية.. عندما تحوِّل إسرائيل مقاعد الدراسة إلى شواهد قبور
في ساحات الحروب الهمجية غالبًا ما تسقط الخطوط الحمراء التي وضعتها المواثيق الدولية، وتدفع الفئات الأكثر ضعفًا الثمن الأكبر للصراعات، ورغم أن اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني تنص صراحة على تحييد المؤسسات التعليمية وحماية المدنيين، إلا أن التاريخ الحديث والواقع المعاصر يسجلان وقائع دامية استهدفت فيها الغارات العسكرية مدارس تعج بالأطفال.
عندما تحوِّل إسرائيل مقاعد الدراسة إلى شواهد قبور
وبين مأساة الأمس في مصر، وفاجعة اليوم في إيران، يعيد التاريخ نفسه بصور قاسية، حيث تختلط دماء الطفولة بأوراق الدفاتر وحطام الفصول الدراسية.

ميناب الإيرانية.. فاجعة جديدة في 2026
في 28 من فبراير 2026، استيقظ العالم على أنباء فاجعة جديدة طالت براءة الأطفال، وفي خضم التصعيد العسكري والضربات الجوية المتبادلة في المنطقة، تعرضت مدرسة ابتدائية للبنات في مدينة ميناب التابعة لمحافظة هرمزجان، جنوبي إيران، لقصف مباشر ضمن غارات وُصفت بأنها عملية أمريكية إسرائيلية مشتركة.

لم يكن هذا الاستهداف مجرد رقم في سجل الخسائر المادية، بل كارثة إنسانية بكل المقاييس، فقد أسفرت الغارة عن تدمير المبنى التعليمي فوق رؤوس طالباته الصغيرات، لترتفع التقديرات وتتحدث عن استشهاد ما بين 40 إلى أكثر من 85 طفلة، فضلًا عن إصابة العشرات بجروح متفاوتة، الصور القادمة من موقع الحادث، والتي تظهر فيها الحقائب المدرسية الممزقة وسط الأنقاض، أعادت إلى الأذهان سلسلة من الانتهاكات التي تتجاهل حصانة المنشآت المدنية والتعليمية وقت النزاع.
بحر البقر.. جرح مصري غائر لا يندمل
بالنسبة للمصريين، فإن مشهد قصف المدارس ليس مجرد خبر عابر، بل هو نكأ لجرح وطني عميق لا يزال ينزف في الذاكرة الجمعية منذ أكثر من نصف قرن.
في صباح يوم الأربعاء 8 أبريل من عام 1970، وخلال سنوات حرب الاستنزاف، اخترقت طائرات الفانتوم الإسرائيلية سماء محافظة الشرقية بمصر، واستهدفت مدرسة بحر البقر الابتدائية المشتركة بمركز الحسينية.

خمس قنابل وصاروخان كانت كفيلة بتحويل مبنى المدرسة الريفية البسيط إلى كومة من الركام والتراب، أسفرت تلك المجزرة عن استشهاد 30 طفلًا وإصابة أكثر من 50 آخرين، في واحدة من أبشع الجرائم التي استهدفت المدنيين في التاريخ العربي الحديث.

المبرر الإسرائيلي الخيالي آنذاك ادعَّى أن المدرسة كانت منشأة عسكرية مخفية، وهو ادعاء دحضته دماء الأطفال وكراساتهم التي وثقتها عدسات المصورين وباتت رمزًا لفداحة التجاوزات العسكرية.
وتخلد القصيدة الشهيرة لصلاح جاهين "الدرس انتهى لموا الكراريس" تلك اللحظة القاسية، لتظل شاهدة على أن استهداف براءة الأطفال هو أبشع وجوه الحرب.

تجاوزات متكررة وخرق للمواثيق الدولية
لا يقتصر الربط بين جريمتي بحر البقر، وميناب الإيرانية على كونهما استهدافًا لمدارس ابتدائية فحسب، بل يمتد ليعكس نمطًا متكررًا في الحروب والصراعات التي تكون إسرائيل طرفًا فيها، فقد شهدت العقود الماضية حوادث مشابهة في دول عربية أخرى، أبرزها في قطاع غزة وجنوب لبنان، حيث طال القصف العنيف مدارس تابعة لوكالة الأونروا، ومؤسسات تعليمية كانت تؤوي نازحين مدنيين.
وتنص المادة 18 من اتفاقية جنيف الرابعة، بالإضافة إلى البروتوكولات الإضافية لعام 1977، على حماية المستشفيات والمدارس والمنشآت المدنية، وتعتبر استهدافها بشكل متعمد جريمة حرب، ومع ذلك، تظل هذه القوانين حبرًا على ورق أمام مشاهد الدمار المتكررة التي تسلب الأطفال حقهم في الحياة وفي التعليم.
وسواء كان الزمان 1970 في قرية مصرية وادعة، أو 2026 في مدينة إيرانية ليست لها أي ذنب، تبقى النتيجة واحدة: مقاعد دراسية فارغة، وأمهات ثكالى، ومجتمع دولي يقف عاجزًا أمام حماية الحلقة الأضعف في معادلة الحروب المروعة.




