السبت 02 مايو 2026
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات
محافظات

لماذا يدفع الطيران ثمن كل أزمة جيوسياسية؟

الأحد 08/مارس/2026 - 08:05 م

في عالم الطيران قد يبدو المشهد من نافذة الطائرة هادئًا ومستقرًا لكن الحقيقة مختلفة تمامًا فهذه الصناعة التي تنقل يوميًا ملايين المسافرين حول العالم تقف دائمًا على حافة التوازن بين الربحية والخسارة، وبين الاستقرار والاضطراب ومع كل أزمة جيوسياسية جديدة يتأكد أن السماء ليست دائمًا مفتوحة للطيران.

إغلاق المجالات الجوية يعني ببساطة أن شركات الطيران تضطر إلى تغيير مسارات رحلاتها أو إلغاء بعضها بالكامل وهو ما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التشغيل، التأمين  وأحيانًا زيادة زمن الرحلات وتشمل هذه العملية تحليل مجموعة كبيرة من البيانات، مثل التحذيرات الجوية والملاحية الصادرة عبر نشرات الطيران الدولية والتقارير الأمنية الصادرة عن دول العبور ودولة الوصول فضلًا عن تعطّل خطط السفر ووجود مسافرين عالقين في مطارات مختلفة حول العالم.

لكن هذه ليست المرة الأولى التي تتأثر فيها صناعة الطيران بإغلاق الأجواء، فالتاريخ الحديث مليء بالأمثلة التي تظهر مدى هشاشة هذا القطاع أمام الأزمات.

فالطائرات لا تستطيع الطيران فوق مناطق النزاعات المسلحة، ولا يمكنها المجازفة بسلامة الركاب ولهذا السبب يكون أول قرار تتخذه سلطات الطيران المدني في الدول التي تشهد توترات أو حروبًا هو إغلاق المجال الجوي أو فرض قيود على الحركة الجوية، مثل تقليل عدد الرحلات أو إخضاعها لتنسيقات أمنية وملاحية دقيقة.

السبب الأول والأهم وراء هذه الإجراءات هو السلامة الجوية، وهو المبدأ الذي يقوم عليه الطيران المدني عالميًا لكن هناك سببًا آخر لا يقل أهمية وهو التأمين فمعظم شركات التأمين لا تغطي الطائرات التي تعمل في مناطق النزاعات المسلحة أو تفرض مبالغ تأمين مرتفعة للغاية قد تصل إلى نحو 100 ألف دولار للرحلة الواحدة.

وفي حال وقوع حادث لطائرة تعمل داخل منطقة حرب دون تغطية تأمينية كافية، قد تتحمل شركة الطيران التعويضات بالكامل، والتي قد تصل إلى مئات الملايين من بين تعويضات الركاب وخسارة الطائرة نفسها مثل هذا السيناريو قد يضع أي شركة طيران في أزمة مالية حادة، وربما يدفعها إلى الإفلاس.

كما أن مسألة إعادة المسافرين العالقين ليست بالبساطة التي يتخيلها البعض، إذ يعتقد كثيرون أن القرار بيد شركة الطيران فقط أو بيد الدولة فحسب التي ينتمي إليها المسافر بينما الواقع أكثر تعقيدًا فإعادة تشغيل الرحلات أو تسيير رحلات إضافية تخضع لتقييمات دقيقة للمخاطر الأمنية والملاحية، إضافة إلى القيود التي تفرضها الدول على عدد الرحلات التي يمكن استقبالها خلال فترات التوتر.

وفي بعض الأزمات مثل الوضع الحالي في منطقة الخليج، تفرض بعض الدول قيودًا مؤقتة على حركة الطيران أو تقلل عدد الرحلات القادمة إليها بسبب حساسية الوضع الأمني وصعوبة إدارة المجال الجوي. وهذا يعني أن شركات الطيران لا تستطيع ببساطة تشغيل عدد كبير من الرحلات لإعادة العالقين حتى لو كانت لديها الطائرات والطاقم جاهزين، لأن القرار النهائي يعتمد أيضًا على قدرة المطارات والمجال الجوي للدولة المستقبِلة على استيعاب تلك الرحلات في ظل الظروف الاستثنائية.

كما أن الرحلات التي يتم تسييرها في ظل الأزمات  غالبًا ما تمثل خسارة مباشرة لشركات الطيران فالشركات تكون ملتزمة بنقل الركاب الذين قاموا بالحجز مسبقًا على الرحلات حتى لو ارتفعت تكاليف التأمين والتشغيل.

وفي مثل هذه الحالات لا تملك شركات الطيران مرونة كبيرة في تعويض التكاليف عبر بيع المزيد من المقاعد، لأن أغلب المقاعد تكون قد بيعت بالفعل قبل الأزمة بفترة وعادة لا تتجاوز نسبة المقاعد الشاغرة في الرحلات المنتظمة ما بين 5 إلى 7 في المئة فقط، وهي النسبة التي يمكن بيعها بأسعار جديدة وفقا لاسعار الشركات المنافسة بعد حدوث الأزمة لذلك تجد شركات الطيران نفسها مضطرة إلى تشغيل الرحلات رغم ارتفاع التكاليف وعلي سبيل المثال وليس الحصر.

الوقود يمثل ما بين 25 إلى 35 في المئة من إجمالي تكلفة تشغيل شركات الطيران، وبالذات عندما يتعرض الأمر لازمة في منطقة الخليج فتتضاعف اسعار الوقود فضلا عن ازمة الإمدادات من الطاقة.

ورغم ضخامة صناعة الطيران عالميًا فإن هامش الربحية فيها يعد محدودًا للغاية مقارنة بقطاعات أخرى وليس كما يعتقد البعض فشركات الطيران تتحمل تكاليف تشغيلية هائلة تشمل الوقود، والصيانة، والرسوم الملاحية، ورواتب الطواقم.

ولهذا السبب أصبحت شركات الطيران تعتمد بشكل متزايد على ما يعرف بـ الإيرادات الإضافية لتعويض ضآلة أرباح التذاكر.

وتشمل هذه الإيرادات الخدمات التي تُباع بجانب التذكرة الأساسية مثل رسوم اختيار المقاعد، والأمتعة الإضافية، وأولوية الصعود إلى الطائرة، وخدمات الإنترنت على متن الرحلات وغيرها 

وتبقى الحقيقة واضحة؛ أن هذه الصناعة مرتبطة بالاستقرار العالمي أكثر من أي قطاع آخر، فكلما اشتعلت الحروب أو ارتفعت التوترات السياسية، أو حتى التغييرات المناخية كانت الطائرات من أول الضحايا، وكلما أُغلقت الأجواء في منطقة ما تتكشف مرة أخرى حقيقة أن صناعة الطيران رغم قوتها الظاهرة تظل واحدة من أكثر الصناعات هشاشة في مواجهة الأزمات.

فالسماء قد تبدو واسعة لكنها في أوقات الأزمات تضيق سريعًا أمام الطائرات.

تابع مواقعنا