وطن يتسع للعالم اسمه الإمارات
في القلب أماكن لا تُقاس بالمسافات بل بما تتركه في الروح من دفءٍ وطمأنينة؛ ومن بين تلك الأماكن التي سكنت روحي يومًا - ولا زالت - كانت الإمارات؛ ذلك الوطن الذي لم أولد فيه لكنه احتواني حتى شعرت أنني أنتمي إليه كما ينتمي المرء إلى بيته الأول؛ كانت بالنسبة لي أكثر من أرضٍ جميلة أو مدنٍ حديثة؛ كانت حالة إنسانية نادرة لوحةً واسعةً اجتمعت فيها ألوان البشر واختلافاتهم دون أن يفقد أيٌّ منهم ملامحه الخاصة.
وفي الإمارات لم أشعر يومًا بالغربة بل كنت أسير في شوارعها فأرى العالم كله يمشي إلى جواري؛ لغاتٌ متعددة ووجوهٌ من ثقافاتٍ شتى وأديانٌ ومعتقداتٌ مختلفة لكنها جميعًا تعيش تحت سماءٍ واحدة وكأن المكان قد قرر أن يكون ملاذًا للإنسان قبل أي شيء آخر؛ هناك أدركت أن التنوع ليس مجرد اختلاف بل ثراءٌ إنساني يضيف للحياة معنى أعمق.
ولقد ضمّت تلك الأرض جنسياتٍ من كل نوعٍ ولون وجمعت بين أعراقٍ وثقافاتٍ ودياناتٍ متعددة دون أن تتحول تلك الفروق إلى جدرانٍ فاصلة بل كانت أشبه بجسورٍ تمتد بين الناس تجعلهم أقرب إلى بعضهم رغم اختلافاتهم؛ في المقاهي والمولات والمطاعم وأماكن العمل وفي الشوارع والأسواق كنت أرى صورةً مصغّرةً للعالم لكنها صورة يسودها قدرٌ من الاحترام والتعايش قلّما نجده في أماكن أخرى.
ولعل هذا ما يجعل الحزن يتسلل إلى القلب حين نرى ما يدور اليوم أو حين نشعر أن صورة المكان الذي أحببناه قد تتعرض للقلق أو التوتر فحين يحب الإنسان مكانًا بصدق فإنه يخاف عليه كما يخاف على بيته وأهله؛ والإمارات بالنسبة لي كانت بيتًا ثانيًا وحضنًا واسعًا احتواني واحتوى الكثيرين ممن جاؤوا إليها يحملون أحلامهم وآمالهم ليحققوها.
ما يؤلمني ليس مجرد الأحداث أو الأخبار بل الخوف على تلك الروح الإنسانية التي عرفتُها هناك من روح التسامح والعمل والهدوء، تلك الروح التي جعلت ملايين البشر يشعرون أنهم جزء من هذا المكان حتى لو جاؤوا إليه من أقاصي الأرض.
وستبقى الإمارات في ذاكرتي كما عرفتها: أرضًا فتحت أبوابها للجميع ومدينةً كبيرة للقلب قبل أن تكون مدينةً للحجر والحداثة وسيظل الدعاء يسكن صدري أن تبقى كما كانت دائمًا بيتًا للأمل وملاذًا للتعايش ومكانًا يذكّرنا بأن الإنسانية قادرة رغم كل شيء، على أن تعيش معًا بسلام ؛ وما عرفناه في تلك الأرض لم يكن صدفة بل كان ثمرة رؤيةٍ وقيادةٍ آمنت بأن بناء الإنسان هو أعظم بناء وأن التسامح ليس شعارًا بل أسلوب حياة.
حفظ الله الإمارات وشعبها وكل شعب يعيش على أرضها وحفظ الله الشيخ محمد بن زايد ربان السفينة الذي سيعبر بها إلى بر الأمان بإذن المولي تعالي.


