أيقظني الخذلان
كم منا وثق بإنسان فخذله؟ أو أحب شخصًا فتركه في أصعب اللحظات! كم منا ظن أن الأمان في القلوب البشرية؟، فإذا بالعاصفة تكشف لنا الحقيقة! نحن نميل بطبيعتنا إلى الاتكاء على الآخرين، ننسى أن القلوب تتغير، والأكتاف تضعف، والوعود قد تتبخر. لكن الله، بحكمته، يتدخل، يغلق كل الأبواب في وجهك، ليس ليكسرك، بل ليعلمك إلى أين تتجه، اكتشفت أنه لو بقي الناس أوفياء دائمًا، ربما ما تعلق قلبك بالله كما ينبغي، لو كانت كل الأكتاف ثابتة، ربما ما رفعت يديك إلى السماء بهذا الصدق.
تعلمت أن الخذلان عملية تطهير للقلب. ينزع منه التعلق بالبشر، ويعيد توجيهه إلى المصدر الوحيد الذي لا يخذل أبدًا. البشر يخذلون، لكن الله لا يخذل. البشر يغيبون، لكن الله حاضر لا يغيب. البشر يعجزون، لكن الله عندما يكتب لك النصر، يسخر لك الكون كله. في تلك الصفعة، أرى الصورة بشكل مختلف: الخذلان ليس عقوبة، بل إنقاذ. إنقاذ من الاعتماد على ما يضعف الروح، لجوء القلب إلى من يصونه ويقويه.
نعم أنا مريض سرطان واجهته في ثلاث جولات متتالية، في الجولة الثالثة انسحبت هي هاربة لسبب هنا أو هناك كنت مجبر علي احترام أسبابها برؤية قاصرة فقد تلون كل شيء ساعتها بالوجع، كنت اعتقد أنها سندي الأبدي في معركتي ضد هذا الناهش في جسدي وروحي، فجأة انسحبت وتركتني وسط العاصفة، كنت امنحها كل شيء فرت لتتركني في أعماق اليأس. أقرب الناس إليك يخذلك حين تحتاجه أكثر، ينهار العالم من حولك، ويغمرك الألم كسيل جارف. تشعر أنك مكسور، مهزوم، وحيد، لكن مع الوقت اكتشفت أن هذه ليست النهاية.
هذه الصفعة ليست لتدميري، بل لإيقاظي، استيقظ يا سامح، خذلانها كشف لك الحقيقة: لقد حمّلتها ما لا تطيق. طلبت منها أمانًا مطلقًا، ووفاءً لا ينتهي، وسندًا لا يهتز. وكأنها آلهة ذات صلاحيات مطلقة في حياتك الصغيرة وهي ليست كذلك، هي بشر.
البشر ليسوا آلهة. هم ضعفاء، متغيرون، عاجزون ومضطربون أحيانًا. حين يخذلونك، لا يكونون دائمًا اشرارًا، أحيانًا يكونون مجرد أدوات قدرية في يد الله، يستخدمها ليعيدك إليه. ينزع من قلبك التعلق بمن يفنى، ويوجهك نحو الباقي، في تلك اللحظة، تتغير رؤيتك: الخذلان لم يعد عدوًا، بل معلمًا قاسيًا علمني الدرس الأعظمي في حياتي.
بعد رحيلها المفاجئ لم أعد أرى الخسارة كبيرة الآن، بل أرى اللطف في العوض والإنقاذ الإلهي المخفي في طيات الوجع. فجأة تحول هذا الألم إلى نور، وأصبح الخذلان بابًا إلى الله.
الآن أنظر خلفي لأكتشف أن كل الذين خذلوني – دون قصد – كانوا أكبر نعمة في حياتي. لولا خذلانهم، لبقي قلبي معلقًا بهم. لولا قسوتهم، لما بكيت بين يدي الله بهذا الصدق. لولا رحيلهم، لما عدت لأعظم سند.. الله وحده.
الله رأى قلبي يركن إلى البشر أكثر مما ينبغي، فلم يعاقبني، بل أنقذني.. أغلق أبوابهم ليفتح لي بابه، وتركني لأسقط من على أكتافهم لأكون بين يديه الرحيمتين.
الآن، بعد الترقي، لم أعد أخاف من الفقد أبدًا. لأنني عدت إلى من لا يُفقد أبدًا، الخذلان أيقظني، غير رؤيتي، وجعلني أرى الحياة بشكل مختلف: ليس كسلسلة من الخسارات، بل كرحلة إلى الله. لا تحزن كثيرًا يا سامح إن خذلك الناس، فربما كان ذلك أعظم لطف خفي فعله الله بك. هو كسر اعتمادك على البشر، ليجعلك تعتمد عليه وحده. وفي هذا الاعتماد، تجد السلام الحقيقي، نعم أيقظني الخذلان، وأنا الآن أشكره.


