الحرب في خدمة الدين
في زمنٍ تتشابك فيه المصالح وتختلط فيه الحقائق بالدعاية يصبح الوعي سلاحًا لا يقل أهمية عن أي قوة عسكرية أو اقتصادية؛ وبينما تنشغل الشعوب العربية بتحدياتها الداخلية تتسلل إلى المشهد قوى إقليمية تسعى لإعادة رسم الخرائط وفق رؤى تاريخية وطموحات توسعية لا تخفى على المتابعين.
إيران بما تمثله من ثقل سياسي وعسكري، ليست مجرد دولة تبحث عن دور إقليمي عادي بل مشروع ممتد الجذور يستحضر في خطابه وممارساته ظلال حلم فارسي قديم يسعى إلى استعادة النفوذ والهيمنة، هذا المشروع لا يتحرك بالوسائل التقليدية وحدها بل يعتمد على أدوات معقدة تبدأ من النفوذ الثقافي والمذهبي ولا تنتهي عند دعم الميليشيات والتدخلات غير المباشرة في شؤون الدول العربية، وهنا يبرز بوضوح بُعد «الدين السياسي»، حيث تُستدعى المعتقدات والرموز الدينية لتبرير التوسع ومنح المشروع غطاءً أيديولوجيًا يتجاوز حدود الدولة!
لقد شهدت السنوات الماضية تمددًا واضحًا للنفوذ الإيراني في عدد من العواصم العربية مستفيدًا من حالة الضعف والانقسام التي أصابت المنطقة وهذا التمدد لم يكن عشوائيًا بل جاء وفق استراتيجية طويلة النفس تسعى إلى خلق مناطق نفوذ متصلة تؤمن لإيران حضورًا دائمًا في قلب العالم العربي، وفي خضم هذا المشهد يصبح من الضروري أن يدرك المواطن العربي أن ما يحدث ليس مجرد صراعات عابرة بل إعادة تشكيل للواقع الجيوسياسي على حسابه باستخدام أدوات تتداخل فيها السياسة بالعقيدة وما أدراك عزيزي القارئ بالعقيدة.
وفي المقابل يظل المشروع الصهيوني حاضرًا بقوة مستندًا إلى حلم إسرائيل الكبرى، وهو حلم لا يقل خطورة في جوهره إذ يقوم على التوسع وفرض الأمر الواقع مستفيدًا من الدعم الدولي والانقسامات العربية، وهذا المشروع أيضًا يحمل في طياته بُعد الدين السياسي حيث يتم توظيف النصوص والروايات الدينية لتغذية فكرة الحق التاريخي وتبرير السياسات التوسعية بما يحول الصراع من نزاع سياسي قابل للحل إلى قضية ذات طابع عقائدي معقد لا حل لها.
وهنا تكمن المفارقة الخطيرة أن تتقاطع مشاريع مختلفة في مرجعياتها لكنها تتشابه في أدواتها إذ يستخدم كلاهما الدين كوسيلة للتعبئة والحشد وكغطاء يمنح السياسات بعدًا مقدسًا يصعب نقده أو معارضته والنتيجة في الحالتين واحدة: إضعاف المنطقة العربية واستنزاف قدراتها وتحويلها إلى ساحة صراع مفتوحة.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في قوة هذه المشاريع بل في غياب الوعي الكافي بحجم التحدي والخطر؛ فالشعوب التي لا تدرك كيف يُستخدم الدين في السياسة قد تنجر وراء شعارات عاطفية دون إدراك للأهداف الحقيقية الكامنة خلفها، ومن هنا تأتي أهمية الإعلام والثقافة والتعليم في تفكيك هذا الخطاب وكشف الفارق بين الدين كقيمة روحية سامية وبين توظيفه كأداة سياسية لتدمير العالم.
إن المرحلة الراهنة تتطلب من المصريين والعرب، أفرادًا ومؤسسات أن يعيدوا ترتيب أولوياتهم، وأن يدركوا أن الحفاظ على الهوية والسيادة يبدأ من الوعي فالأمة التي تميز بين الإيمان الصادق والتوظيف السياسي للدين تكون أقدر على حماية نفسها وتكون أقل عرضة لأن تُستغل باسم المقدسات وتنحرف في تيار خاطئ كما هو الحل مع بعض المتعاطفين مع ايران.
وفي النهاية يبقى السؤال مفتوحًا: هل نمتلك الشجاعة الكافية لنفهم كيف تُدار الصراعات من حولنا أم سنظل أسرى لخطابات تُحرك مشاعرنا أكثر مما تنير عقولنا وتسوقنا إلى حافة الهاوية؟ الوعي هو البداية.


