صفحات مكافحة الفساد
هذا المقال مؤجل منذ عدة أشهر، إذ في كل مرة أتحمس فيها للكتابة عن صفحة وزارة الداخلية على وسائل التواصل الاجتماعي، بعد نجاحها في التعامل مع أي من القضايا التي أثارت حفيظة الشارع وغضبه، أقول ربما كانت مرة ولن تتكرر، لكنها ما تلبث أن تفعل الشيء نفسه مع حادث آخر، لتكشف سوء تقديري.
وباتت الأنظار تتجه الآن صوب صفحتها تلقائيا، كلما وقع حادث في أي مكان بمصر المحروسة، في انتظار تحركها للقصاص.
عشرات القضايا التي شغلت الرأي العام مؤخرا تلقاها القائمون على هذه الصفحة، وبحرفية ومهارة أعادوا الحقوق لأصحابها لعل أبرزها، اعتداء رجل أعمال كومبوند التجمع الخامس، -البلطجي- على أحد أفرد الأمن، إضافة إلى ضرب وتجريس شاب في قرية ميت عاصم بمحافظة القليوبية، ومؤخرًا إلقاء أب ونجليه أكياس المياه على المصلين بعد خروجهم من صلاة عيد الفطر المبارك بالقاهرة.
وأصبح كل مواطن تقريبا يسير في الشارع، شاهرا موبايله، في وجه أي تجاوز يقع في حقه، أو لتوثيق أي اعتداء يستهدف غيره أو المجتمع برمته.
منذ عدة أيام، وبينما كنت أسير في الشارع، نشبت مشاجرة بين سائق توك توك، وصاحب سيارة خاصة أخذ يصور تفاصيلها، ويتوعد بإرسالها إلى صفحة وزارة الداخلية، واضطر سائق التوك توك، وكان هو المخطئ، في النهاية إلى الاعتذار لإدراكه أن الحساب قادم لا محالة.
الحوادث التي تتعامل معها الصفحة موثقة بالفيديوهات، ولا مجال هنا للتشكيك، ولأن التفاعل معها يكون عبر صفحات فيسبوك تتحول إلى قضايا رأى عام يتابعها قطاع عريض من المجتمع، وينتظر، حسمها وتقديم مرتكبيها للعدالة، بلا تهاون، فالرقيب هنا الشارع وليس إدارات التفتيش، أو الأجهزة الرقابية، ولا مجال للمحاباة.
عزز من مصداقية الصفحة، الشفافية التي باتت تتمتع بها، بعد اختبارها أكثر من مرة، لا فرق بين مواطن عادي أو صاحب نفوذ، ولا غني أو فقير، فالجميع أمامها سواسية كأسنان المشط، على الأقل في القضايا التي تابعناها، حتى باتت ملاذ المظلومين والمقهورين.
الشواهد على ذلك كثيرة، إذ لم تتوان وزارة الداخلية عن محاسبة أبنائها، من الضباط والأفراد في أكثر من حادث، بعد أن ثبت تجاوزهم فيها، وتم إيقافهم بالفعل عن العمل.
نجاح صفحة وزارة الداخلية، يرجع في جزء كبير منه لارتباطها بكيان أكبر، هو وسائل التواصل الاجتماعي، وخضوعها لقوانينها، التي تمثل عنصر ضغط كبير لإجلاء الحقائق ونشرها على الرأي العام، أضف إلى ذلك سهولة تعاملها مع القضايا، فلا حاجة هنا إلى الذهاب لأقسام الشرطة وتحرير المحاضر وانتظار البت فيها، والأمر لا يحتاج سوى إلى تحرير شكوى مرفقة بالدليل والضغط على زر الموبايل.
العلاقة بين الشرطة والشارع مرت على مدى فترات متفاوتة، باختبارات كثيرة نجحت في بعضها، وأخفقت في أخرى، لكن الشيء المؤكد أن صفحة وزارة الداخلية على وسائل التواصل نجحت في ترميم ما انكسر منها.
أتمنى تعميم التجربة، حتى تكون لدينا عدة صفحات في كل المجالات لمواجهة أي إهمال أو تجاوز، وظني الشخصي أن لكل وزارة صفحة خاصة بها على وسائل التواصل الاجتماعي لكنها لا تعمل بنفس الكيفية أو الكفاءة، وحبذا لو تم تخصيص جائزة لتكريم المتميزين منهم في احتفال سنوي، باعتبار أن هذا أحد حقوقهم ولتشجيعهم على المنافسة في تقديم أفضل الخدمات للمواطنين، ومكافحة الفساد والمحسوبية.


