إيجابية زائفة.. موظفون يدفعون ثمن تحليل خاطئ
دعونا نتفق أولًا، أن مكافحة المخدرات داخل الجهاز الإداري للدولة ضرورة لا خلاف عليها، لا أحد يريد موظفًا تحت تأثير التعاطي يدير مرفقًا عامًا أو يتخذ قرارًا يمس حياة الناس، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعد عدة سنوات من تطبيق القانون.. هل كل الذين فصلوا بموجبه يستحقون حقا الفصل؟
خلال الأيام الماضية، هاتفت الدكتور محمد سعفان، رئيس لجنة القوى العاملة في مجلس النواب، عن القانون رقم 73 لسنة 2021، والذي يقضي بالفصل الفوري للموظف في حالة إجراء تحليل له وتبين تعاطيه للمخدرات، ليؤكد لي أن هناك العديد من الشكاوى والاستغاثات التي وصلت إلى اللجنة مؤخرًا بشأنه، وبالتالي اللجنة ستتحرك مع كل الجهات المختصة لاحتمالية تعديل هذا القانون.
لذلك فإني أرى أن مجرد الاعتراف بوجود تظلمات يعني أن هناك خللًا ما يستحق التوقف عنده، ناهيك عن تحقيقي، الذي نشرته بالقاهرة 24، في أكتوبر من عام 2024 والذي جاء بعنوان: «إيجابية زائفة.. حينما تفقد وظيفتك بسبب دوائك» انطلق من هذه المنطقة تحديدًا، فلم أبحث عن ثغرة لإسقاط القانون، بل عن قصص بشرية تقول إن هناك حالات دفعت ثمن نتيجة تحليل قد لا تكون دقيقة بما يكفي لاتخاذ قرار مصيري.
يمكنك قراءة تحقيق القاهرة 24: إيجابية زائفة.. حينما تفقد وظيفتك بسبب دوائك
الحقيقة العلمية معروفة، بعض الأدوية المشروعة، خاصة المستخدمة لعلاج أمراض مزمنة أو آلام حادة، يمكن أن تُظهر نتائج إيجابية في التحاليل الاسترشادية، هذه التحاليل صُممت للكشف السريع، لا للحسم النهائي، الفرق بين اشتباه وإدانة يجب أن يكون واضحًا أمام المٌشرع.
المشكلة التي رصدها التحقيق أن بعض الموظفين فوجئوا بقرار الفصل سريعًا، بينما دخلوا لاحقًا في دوامة من التظلمات لإثبات أن ما ظهر في التحليل مرتبط بدواء موصوف طبيًا، هنا يتحول الإجراء الوقائي إلى عقوبة قد تكون غير عادلة.
الأمر لا يتعلق بحالة أو اثنتين، بل بنمط متكرر من الشكاوى:
نتيجة أولية إيجابية.
قرار إداري سريع.
صراع طويل لإثبات البراءة.
لذلك أتساءل في سطور مقالي لعل هناك من يجيب ويستمع إلى آنين هؤلاء: هل كل حالة خضعت لتحليل توكيدي معملي دقيق قبل صدور القرار؟ هل أُتيحت للموظف فرصة فعلية لتقديم روشتاته وتقاريره الطبية قبل الفصل؟ هذه ليست أسئلة سياسية، بل أسئلة إجرائية بحتة.
لا شك بأن دور صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي محوري في تنفيذ حملات الكشف، وهو جهد مهم لحماية المؤسسات، لكن أي منظومة تحتاج مراجعة مستمرة، خاصة حين تكون قراراتها مصيرية بهذا الشكل.
كما أن الجانب الذي لا يُناقش كثيرًا هو الأثر الاجتماعي، الموظف الذي يفقد عمله لا يخسر راتبه فقط، بل يواجه وصمة قاسية، في مجتمعنا يا سادة، كلمة مخدرات كافية لتدمير سمعة شخص حتى لو ثبت لاحقًا وجود خطأ ما، فأسر كاملة قد تدخل في أزمة مالية ونفسية بسبب نتيجة تحليل واحد.
هناك أيضًا بعد اقتصادي آخر، الدولة تستثمر في تدريب موظفيها لسنوات، خسارة موظف صاحب خبرة بسبب إجراء غير مكتمل يعني خسارة كفاءة، ودخول المؤسسة في دوامة إحلال وتعيين جديدة، الردع مهم، لكن الدقة أهم.
لا أحد يطالب بالتراخي، المطلوب ببساطة هو التفرقة الواضحة بين المتعاطي والمريض، المطلوب ضمان أن كل قرار فصل يسبقه تحليل توكيدي قاطع، وإجراءات تظلم حقيقية وسريعة، لا مسارًا مرهقًا بعد أن يكون القرار قد صدر بالفعل.
القانون وُضع للحماية، لا لإنتاج ضحايا، والدولة القوية ليست التي تُصدر قرارات سريعة، بل التي تراجع نفسها عندما تظهر حالات ظلم محتملة، لذلك أقول: إيجابية زائفة ليست مجرد عنوان تحقيق، هي جرس إنذار يقول: تحليل واحد لا يكفي لإنهاء حياة أسرة كاملة.


