دعاء سيدنا إبراهيم الذي يخلّد ذكره ليوم القيامة.. وفضله الممتد على مكة
يعد دعاء سيدنا إبراهيم، من أكثر الأدعية التي وردت في القرآن الكريم، وبصيغ مختلفة تجمع بين الدعاء للنفس وللذرية وللوالدين وأيضًا للوطن، وقد ذكر الله تعالى اسم سيدنا ابراهيم في القرآن الكريم 69 مرة في 25 سورة، مما يعكس مكانته العظيمة عند الله تعالى. ويكمن اهتمام القرآن الكريم بإبراز دعاء سيدنا إبراهيم في مواضع كثيرة، لما جاء من أوصاف كريمة وصفها الله تعالى لنبيه إبراهيم تؤكد أنه يستحق ذكر اسمه إلى يوم القيامة كما وعدته ربه تعالى. وعبر التقرير التالي نكشف أسرار دعاء سيدنا إبراهيم ومكانته العظيمة وسر دعواته التي خلدت اسمه ليوم القيامة، وكيف كان يدعو لذريته؟.
دعاء سيدنا إبراهيم
كثر ذكر صيغ دعاء سيدنا إبراهيم في القرآن الكريم، في عدة مواضع، إضافة إلى أوصاف انفرد بها جد الأنبياء تعد بمثابة ثناء من الله تعالى عليه، فقد وصفه الله تعالى بما يلم يصف أحد من العالمين، وقال في سورة النساء "واتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا"، كما وصفة بأنه إمام للناس، وقال عنه المولى عز وجل "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً" وأيضًا حنيفًا، شاكرًا لأنعمه، و"أوّاهٌ حليمٌ منيب"، صاحب قلب سليم، وصديقًا نبيًا.

ولأن النبي ابراهيم جد الأنبياء، وفّى بعهده وواجباته تجاه ربه، فقد استجاب له الله عز وجل دعاءه الذي تمنى فيه امتداد ذكره بين الخلق وعلى ألسنتهم إلى يوم يبعثون، حيث دعاء ربه قائلًا "رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ* وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ* وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ* وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ* وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ* يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ* إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّـهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ".
وفي شرح هذا الدعاء العظيم، جاء في تفسير السعدي وابن كثير معنى "لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ" أي: اجعل لي ثناءً حسنًا وذكرًا جميلًا باقيًا تذكره الأمم والقرون الآتية من بعدي، ويقتدي بي الناس في الخير.
ولسان صدق أي الذكر الحسن، والثناء الصادق الذي لا كذب فيه، "في الآخرين"، أي: في الأجيال والملل التي تأتي بعدي، بأن يثني عليّ المسلمون وغيرهم،، وقد استجاب الله دعاءه، فجعل إبراهيم محبوبًا ومعظمًا عند جميع أهل الكتاب والمؤمنين، كما في سورة الصافات: "وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ".
ومن أهم مواضع ذكر سيدنا إبراهيم إلى يوم القيامة، أن جعل الله تعالى تشهد الصلاة صلاة وسلامًا على سيدنا محمد وآله، وسيدنا إبراهيم وآله، بل سبقت صلاة الله تعالى لسيدنا إبراهيم صلاته سبحانه على سيدنا محمد، فنقول ما يعرف بالصيغة الإبراهيمية: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".

دعاء سيدنا إبراهيم في القرآن
وجاء ذكر دعاء سيدنا إبراهيم في القرآن في مواضع كثيرة وبصيغ مازالت في صدارة الأدعية المستحبة لمن يرغب في الفوز بخيري الدنيا والآخرة، فقد دعا النبي إبراهيم عليه السلام بالذرية وهو عجوز، ودعا الله بالمغفرة لوالديه والمسلمين ومن ذلك ما يلي:
- "رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ"
- "رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ* رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ"
- "رَبَّنا إِنَّكَ تَعلَمُ ما نُخفي وَما نُعلِنُ وَما يَخفى عَلَى اللَّـهِ مِن شَيءٍ فِي الأَرضِ وَلا فِي السَّماءِ"
- "رَبَّنَا اغفِر لي وَلِوالِدَيَّ وَلِلمُؤمِنينَ يَومَ يَقومُ الحِسابُ"
- "رَبِّ اجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ".
- "رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ".

دعاء سيدنا إبراهيم لذريته
يعد دعاء سيدنا إبراهيم لذريته، من أكثر الصيغ المستخدمة في ختم الصلاة، فالمسلم يكثر من دعاء "رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء" عقب الانتهاء من الصلاة، وهو دعاء لسيدنا ابراهيم يخلد ذكره أيضًا إلى يوم القيامة.
ومن أدعية سيدنا إبراهيم لذريته والتي يستحب للمسلم الإكثار منها:
- "رَبِّ اجعَلني مُقيمَ الصَّلاةِ وَمِن ذُرِّيَّتي رَبَّنا وَتَقَبَّل دُعاءِ"
- "رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ"
- "رَبِّ اجعَل هـذَا البَلَدَ آمِنًا وَاجنُبني وَبَنِيَّ أَن نَعبُدَ الأَصنامَ"
- "وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ".
- "رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ".
- "ربَّنا إِنّي أَسكَنتُ مِن ذُرِّيَّتي بِوادٍ غَيرِ ذي زَرعٍ عِندَ بَيتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقيمُوا الصَّلاةَ فَاجعَل أَفئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهوي إِلَيهِم وَارزُقهُم مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُم يَشكُرونَ".

دعاء سيدنا إبراهيم في سورة الشعراء
ونص دعاء سيدنا ابراهيم في سورة الشعراء على خير وفي يجمع حاجات المسلم في الدنيا وفي الآخرة، فقد ورد على لسان سيدنا ابراهيم قوله “ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82) رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ”.
وهو اعتراف بنعم الله تعالى وفضله، فهو الشافي من الأمراض الهادي من الضلال والرازق الذي يضمن لعباده الرزق من طعام وشراب ومأوى وكساء، كذلك يميت الإنسان ويحيه كل يوم مما يستوجب عبادته وحده وشكره، طمعًا في أن يغفر الله تعالى الخطايا والذنوب وأن يلحق الإنسان جزاء الصالحين يوم القيامة.
دعاء سيدنا إبراهيم عندما ترك هاجر
لاشك أن دعاء سيدنا إبراهيم عندما ترك هاجر، من أكثر الادعية المعروفة والمشهورة عن سيدنا محمد، وبفضلها يتنعم المسلمون جميعهم بماء زمزم التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم "ماء زمزم لما شُرب له" وهي البئر التي تظل تنبع دون توقف حتى اليوم وحتى يأذن الله تعالى لها أن تتوقف.
ويعود دعاء سيدنا إبراهيم لزوجته، إلى واقعة خروجه عليه السلام من أرض العراق بعد أن لاقى من أبيه وقومه التكذيب والعناد، وترك عليه السلام ابنه وزوجته في مكة وهي أرض قاحلة لا زرع فيه ولا ماء، ودعا بقوله "رَبَّنا إِنّي أَسكَنتُ مِن ذُرِّيَّتي بِوادٍ غَيرِ ذي زَرعٍ عِندَ بَيتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقيمُوا الصَّلاةَ فَاجعَل أَفئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهوي إِلَيهِم وَارزُقهُم مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُم يَشكُرونَ" وبالفعل استجاب الله تعالى له.
دعاء سيدنا إبراهيم للصلاة
من أهم نماذج صيغ دعاء سيدنا إبراهيم للصلاة، قوله "رَبِّ اجعَلني مُقيمَ الصَّلاةِ وَمِن ذُرِّيَّتي رَبَّنا وَتَقَبَّل دُعاءِ"، إذ يحث العلماء على ترديد هذا الدعاء عقب كل صلاة وفي أوقات الاستجابة وعند السجود، لما له من فضل عظيم في صلاح الذرية وهدايتهم.

دعاء سيدنا إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا
دعاء سيدنا إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا، هو أحد أعظم الأدعية في القرآن الكريم، ومن أفضل أدعية الأنبياء في القرآن، وقد تحققت استجابته بشكل واضح في مكة المكرمة.
أوضح الشيخ أحمد الصباغ، من علماء الأزهر الشريف، أن مكة المكرمة تشهد اليوم توفر الثمرات والفواكه على مدار العام، دون ارتباط بمواسم أو فصول محددة، في تجسيد حي لقوله تعالى: "يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ".
وأوضح أن اللافت في دعاء النبي إبراهيم أنه قدّم طلب الأمن على الرزق، مما يعكس أهمية الأمن والأمان كحاجة أساسية للإنسان، ويأتي في سورة إبراهيم قوله: "رب اجعل هذا البلد آمنًا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام"، حيث استخدم القرآن لفظ "أجنبني" بدلًا من "حرّم علينا".
وأشار إلى أن استخدام لفظ "الاجتناب" في القرآن له دلالة أعمق من التحريم المجرد، فهو يعني الابتعاد التام عن الشيء من بعيد، وهذا الدعاء ليس مقصورًا على مكة المكرمة، بل يمكن لكل مسلم أن يدعو به لبلده وقريته ومدينته: "رب اجعل هذا بلدًا آمنًا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر".
وأوضح الشيخ أحمد الصباغ أن من أجمل الدروس المستفادة من دعاء النبي إبراهيم، ما ورد في قوله تعالى: "وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم"، فعلى الرغم من أن نبيًا كريمًا يرفع قواعد بيت الله بأمر من الله، إلا أنه يدعو قائلًا: "ربنا تقبل منا"، في تجسيد للتواضع والخشية من عدم قبول العمل.






