الأرشيف البريطاني وموسوعة الحارثي.. التاريخ يكرر نفسه
لطالما مثل الأرشيف البريطاني مصدرا خصبا للاطلاع على تاريخ عدد من البقاع حول العالم، لا سيما في مجالات تحرك واستعمار وهيمنة الإمبراطورية البريطانية القديمة. فهو أرشيف ضخم ومنظم ويعتمد على مكاتبات بين سفارات بريطانيا وجواسيسها والمتعاملين معها حول العالم، ويخضع لنظام فهرسة دقيق، ونظام إتاحة وإفصاح عن المعلومات مدروس ومقنن بضوابط قانونية داخل المملكة المتحدة.
وكم من مرة نسف الأرشيف البريطاني تصوراتنا عن الموروث بين أيدينا من وقائع تاريخية وتصورتنا للهيئة التي جرى عليها، وأحل محلها تصورات جديدة على مستوى البواعث والأسباب ولربما المؤامرات التي اعتملت في الخلفية فأنتجت مسار التاريخ الذي جرى عليه والذي مازلنا لليوم في حصاد نتائجه.
وعلى مستوى مصر، ما زال الأرشيف البريطاني رافدا ثريا جدا في تشخيص الأسباب الفعلية التي أفرزت محطاتها الرئيسة طوال قرن ونصف من الزمان تقريبا، من الثورة العرابية لثورة 1919 لثورة يوليو للعدوان الثلاثي للنكسة لانتصار أكتوبر، بل وحتى مجيء الرئيس مبارك لسدة رئاسة مصر.
وكانت روافد المعلومات وطريقة إجراء تقدير الموقف والتنبؤ التحليلي لما ستصير عليه الأمور في المستقبل، صنعة بريطانية رفيعة وخالصة، حتى لقد قيل إن الدبلوماسية والاستخبارات علمان بريطانيان وابتكاران من صميم خبرة هذه الأمة وجهازها الجبار الذي جعلها مترامية إلى حد لا تغيب عنه الشمس.
وقد كانت هذه المهارات حاضرة جنبا إلى جنب مع قدرة الإنجليز على صناعة المؤامرات وسوقها من خلف الكواليس. ففي المثل الأيرلندي الشهير: إذا رأيت جارين يتصارعان، فاعلم بأن إنجليزيا قد زار أحدهما بالأمس!.
ولعلني من هذه المقدمة أنطلق إلى الإشارة لهذه الفعالية شديدة الأهمية التي تستضيفها مكتبة الإسكندرية في الثاني من أبريل المقبل، تحت عنوان "المعرفة البريطانية في تاريخ عمان والمشرق العربي" والتي تقوم على القراءة في الأعمال المترجمة للشيخ محمد بن عبد الله بن حمد الحارثي، المثقف العماني الكبير.
فقد كرس الحارثي جهدا كبيرا منذ مقتبل الألفية في ترجمة وثائق بلاده الواردة في الأرشيف البريطاني، ومحاولة استخلاص وتشخيص صورة عامة عما جرى من وقائع تاريخية. بل وترميم الماضي ووقائعه بأثر رجعي، لاستبانة ما كان طبيعيا وما جرى بيد المؤامرة البريطانية وبتوافقات القوى العالمية ليصير العالم العربي ومنطقة الخليج في القلب منه على ما هي عليه اليوم.
فأصدر عام 2007 موسوعة "عمان/ الوثائق السرية" عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، ثم استكمال الجزء الثاني من الموسوعة عام 2023.
وإذ يدرك الباحثون المخضرمون تعقيدات البحث في الأرشيف البريطاني ومجهودات الترجمة والفهرسة ثم المعالجة المعلوماتية والمعرفية لهذا الكم الهائل من التفاصيل، يصبح بين أيدينا إدراك كبير لأهمية مثل هذا العمل، لا بما يسلط من الضوء على تاريخ سلطنة عمان ومنطقة الخليج، بل بما يكشف عما أحاط بالشرق الأوسط بأكمله. وفي القلب من كل هذا يكشف دقائق عمل العقل الإنجليزي الاستعماري، وطريقة توافق القوى الكبرى على تخطيط العالم وإبقاء طريقة عمل، بل استنزاف، لموارده ولثروات أقاليمه الغنية، على نحو ثابت، وإن اتشح في كل زمان بوشاح غير الزمن الذي يسبقه.
وأحسب أنه مع المنشور السلطاني الصادر في فبراير الماضي بإنشاء مكتبة عمان الوطنية، قد توفر عمان نشاطا بحثيا ومعرفيا هائلا للبحث في تراث العرب، وللبحث في كواليس محركات سياسات القوى الكبرى وتأثيراتها على الإقليم.
إن الجهد الذي بذله الشيخ الحارثي، وهو من هو كقيمة اقتصادية وثقافية في بلاده، يبشر أن عمان قادرة بكوادرها وروافدها المالية ومخصصاتها على طرح آفاق معرفية جديدة للمواطن العربي، لا سيما مع خصوصية الموقف السياسي العماني من الأزمات الأخيرة وما ستلقيه من ظلال مستقبلية محتومة على مسار الإقليم وعلاقة أطرافه ببعض في العاجل القريب.
أحسب أن استضافة مكتبة الإسكندرية لهذه الفعالية تحت رعاية المنظمة العربية للترجمة ومديرها بسام بركة، وكذا بالتنسيق مع سفير السلطنة في القاهرة عبد الله بن ناصر الرحبي، يمثل نقطة معرفية مهمة قبل أن تنشأ المكتبة الوطنية العمانية بما يمكن أن تنطوي عليه من تخصصات دقيقة وتفرعات كثيرة، من دراسة تاريخ ووثائق وخطوط ونقوش وبحوث حضارية وبحرية وقبلية ودينية فيما يخص الأحداث التي جرت في هذه البقعة طيلة ما يزيد على ألف وخمسمائة عام.
والمحك الرئيس دوما هو قدرة العرب على الإفادة من بعضهم البعض ومن خبراتهم، لإعداد روشتة مواجهة لما يبدو أن لا قبل لأحدهم به منفردا. وكم يحضرني قول الفيسلوف الألماني كارل ماركس "التاريخ يكرر نفسه، مرة كمأساة وأخرى كملهاة".
ولطالما آمنت كأستاذ للتاريخ القديم وللخطوط والنقوش ومتخصص في تاريخ الحضارات أن التاريخ هو خير وسيلة لاستقراء المستقبل. لذا أشد بيدي كأكاديمي ودبلوماسي وكمثقف عربي على يد الشيخ الحارثي مهنئا هذه الموسوعة الضخمة في إصداريها الاثنين عن العاصمة اللبنانية بيروت، ونرجو مزيد من الدعم للبحث العلمي إذ لا سبيل للمواجهة دون معرفة.


