السبت 02 مايو 2026
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات
محافظات

مصر والخليج في العقلية الإيرانية

الإثنين 30/مارس/2026 - 06:28 م

في خضم التصعيد الإقليمي، لم تكن الضربات الإيرانية التي طالت القواعد العسكرية الأمريكية في دول الخليج مجرد رسائل عسكرية عابرة، بل كشفت عن بنية أعمق في طريقة إدراك طهران لمحيطها العربي، وحدود التمييز الذي ترسمه، ذهنيًا وسياسيًا، بين مصر ودول الخليج.
(1)
ردود الفعل الخليجية الغاضبة لم تكن مفاجئة، وكذلك الموقف المصري الذي جمع بين الانخراط في الوساطة وإدانة الاعتداءات، انطلاقًا من ثوابت راسخة تعتبر أمن الخليج امتدادًا مباشرًا للأمن القومي المصري، غير أن ما يستحق التوقف عنده ليس الحدث ذاته، بل ما كشفه من تصورات كامنة داخل العقل السياسي الإيراني.
(2)
في اللحظة التي بادر فيها الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بالاتصال بالرئيس عبد الفتاح السيسي، وقبول وساطة القاهرة، بدت مصر في الإدراك الإيراني طرفًا يُخاطَب ويُحتكم إليه، لا ساحة تُوجه إليها الرسائل، حيث تعامل إيران مصر بصفتها شريكًا حضاريًا وسياسيًا، وهذا بالطبع يتناقض مع نظرتها لدول الخليج، إذ دعت تلك الحرب إيران لمهاجمة دول الخليج لأمرين اثنين: أولا كرسالة لدول الخليج بأن القواعد الأمريكية لم تعد قادرة على حماية نفسها والجنود المحتمين بها، وثانيا للضغط على تلك الدول للتواصل مع الولايات المتحدة لإيقاف عمليتها العسكرية المشتركة مع إسرائيل ضد إيران.
(3)
وتفسر بعض الكتابات الأدبية والفلسفية الإيرانية ذلك التمايز، حيث اعتبر آية الله محمد الحسيني الخامنئي، الشقيق الأكبر للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، وهو أحد كبار فلاسفة الحوزة، أن مراكز الحضارة الإنسانية تركزت تاريخيًا في مصر وإيران واليونان، بينما ظلت الجزيرة العربية — في تصوره — بعيدة عن الحضارة، ولم تعرف تدفقًا فلسفيًا أو علميًا، وأن نصيب الجزيرة العربية من الحضارة كان في الشعر، الذي كان يتدفق من منبع الموهبة فقط، وأنها حين نهلت من الحضارات القديمة القريبة منها، كالحضارة الإيرانية، لم تأخذ منها إلا عبادة الأوثان والنجوم.
(4)
ويتعزز هذا التصور مع أطروحات مفكرين مثل علي شريعتي، الذي دعا إلى مشروع تحرري قائم على "العودة إلى الذات"، في مواجهة ما اعتبره تبعية للغرب، وضمن هذا الإطار تضع إيران دول الخليج بوصفها نموذجًا للارتباط بالبنية الغربية، خصوصًا الولايات المتحدة، التي تُصوَّر باعتبارها امتدادًا للاستعمار الحديث، ودول الغرب التي تمثل الاستعمار القديم.
(5)
إن هذه القراءة، رغم تماسكها النظري، لكنها تختزل دول الخليج في كونها مجرد امتداد للنفوذ الأمريكي وهو ما يتجاهل التحولات العميقة التي شهدتها هذه الدول خلال العقود الأخيرة، سواء على مستوى بناء الدولة أو تنويع الاقتصاد أو إعادة تعريف أدوارها الإقليمية.

كما يحول هذا التصور دول الخليج إلى ساحة لتبادل الرسائل مع الغرب، لا إلى شريك إقليمي كامل السيادة، إذ أن الذهنية الإيرانية لا تعتبر المصريون عربا، بل وتختزل العربي في صورة كل من يرتدي الجلباب والعقال.
(6)
من هنا، تبدو الحاجة ملحة أمام صانع القرار الإيراني لإعادة النظر في نظرته لدول الخليج، فاستمرار التعامل مع الخليج باعتباره "ساحة" لا "شريكًا"، وجارًا يستوجب التعالي عليه، يحمل في طياته مخاطر تصعيد دائم، ويُبقي المنطقة رهينة دوائر التوتر، ولعل استدعاء تجربة محمد خاتمي في "حوار الحضارات" يقدم نموذجًا مغايرًا، يقوم على الاعتراف بالتعددية وحسن الجوار، ويطرح تجربة صدام الحضارات لأصحابها.

تابع مواقعنا