السبت 02 مايو 2026
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات
محافظات

الأقصى.. أربعون يوما بلا صلاة

الكاتب السعيد حمدي
مقالات
الكاتب السعيد حمدي
الأربعاء 08/أبريل/2026 - 03:43 م

وسط ترقب الجميع لتداعيات ومآلات الحرب الصهيوأمريكية على إيران، كانت إسرائيل تعمل على جبهات أخرى غير تلك العسكرية التي ينشغل بها العالم، خصوصًا العرب والمسلمين، حيث تقع تلك الاضطرابات الكبيرة والفارقة في منطقتهم.

من المعروف أن هذا الكيان يعمل وفق مخطط مدروس بعناية، ولا يغفل نقطة من نقاطه لحظة، وإنما هناك عمل دائم لا يهدأ في جميع الملفات بنفس الاهتمام والدقة، وهو الأمر الذي يفتقده العرب بكل أسف، إذ لا يزال العمل لديهم يتم بالقطعة، وتلهيهم أحداث عن أخرى، وتسرقهم المعارك الجانبية من القضايا المصيرية.

وبجانب تمرير الكنيست الإسرائيلي قانونًا يسمح بإعدام الأسرى الفلسطينيين، وهي جريمة كبرى تم استغلال الأحداث لإنجازها، وكالعادة مر الأمر وكأنه قانون داخلي عادي، رغم أنه يفتح الباب لإعدام أي فلسطيني تحت غطاء قانوني، ويمنح الاحتلال أداة جديدة للبطش والتنكيل.

لكن الأمر الأخطر، والذي مر كذلك دون ضجيج يليق بخطورته، هو إغلاق المسجد الأقصى بشكل شبه تام في وجه المصلين، ومنع الصلاة فيه لفترات طويلة وصلت إلى نحو أربعين يومًا.

وهنا يطرح السؤال نفسه: هل هذه أول مرة يُغلق فيها المسجد الأقصى؟

الإجابة أن الأقصى تعرض للإغلاق مرات عديدة منذ احتلال القدس عام 1967، لكن إغلاقه الكامل أو شبه الكامل لفترات طويلة يعد من أخطر الإجراءات التي اتخذها الاحتلال عبر تاريخه.

ففي عام 1969 أُغلق الأقصى عقب حريقه الذي أشعله متطرف صهيوني، وفي عام 2000 أُغلق عدة أيام بعد اقتحام أرئيل شارون لباحاته واندلاع انتفاضة الأقصى، كما تم إغلاقه في 2017 لعدة أيام بعد عملية باب الأسباط، وفرضت عليه قيود مشددة خلال جائحة كورونا في 2020، إضافة إلى إغلاقات متكررة خلال الحروب والاعتداءات المختلفة.

لكن ما يحدث الآن يعد من أطول فترات التضييق والإغلاق المتواصل، حيث يتم منع أعداد كبيرة من المصلين، وفرض قيود عمرية وأمنية مشددة، وتحويل المسجد إلى ثكنة عسكرية، في محاولة لفرض واقع جديد يجعل إغلاقه أمرًا عاديًا ومتكررًا حتى يفقد العالم حساسيته تجاهه.

والمسجد الأقصى ليس مجرد مسجد عادي يمكن إغلاقه أو فتحه وفق أهواء الاحتلال، بل هو أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ومسرى النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد أهم الرموز الدينية والتاريخية في عقيدة المسلمين.
إنه جزء من هوية الأمة ووجدانها، وعنوان من عناوين وجودها الحضاري والديني، ولذلك فإن المساس به أو إغلاقه أو فرض السيطرة عليه هو مساس مباشر بعقيدة المسلمين وكرامتهم.

والسؤال الأخطر: كيف استطاع الاحتلال أن يصل إلى هذه المرحلة؟
كيف أصبح إغلاق المسجد الأقصى خبرًا عابرًا في نشرات الأخبار، وربما هناك من لا يعلمون أنه مغلق من الأساس؟
وكيف تراجع الاهتمام بقضية كانت في يوم من الأيام قادرة على تحريك الشوارع العربية والإسلامية من المحيط إلى الخليج؟

لقد نجح الاحتلال إلى حد كبير في فرض سياسة الأمر الواقع، مستفيدًا من حالة الانقسام العربي والإسلامي، ومن تراجع الاهتمام الشعبي والرسمي بالقضية، ومن انشغال الجميع بأزماتهم الداخلية وصراعاتهم السياسية والاقتصادية، حتى أصبح الأقصى يواجه مصيره شبه وحيد.

وما وصل إليه حال الأمتين العربية والإسلامية من هوان وتفريط غير مسبوق في التاريخ، يشير بوضوح إلى نجاح كبير للاحتلال في قتل روح الانتماء والغيرة داخل النفوس، وبث الفرقة بين الدول العربية والإسلامية، وتكريس سياسة "فرق تسد" التي أتت أكلها بمرور السنوات.
وذلك يطرح سؤالًا مؤلمًا، لكنه ضروري في هذه اللحظة الفارقة:
ماذا بقي للاحتلال أن يفعله بالمسجد الأقصى سوى هدمه؟

تابع مواقعنا