السبت 02 مايو 2026
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات
محافظات

لماذا يفرون إلى الموت؟

الخميس 16/أبريل/2026 - 01:30 م

تابعنا في الفترة الأخيرة وقوع عدد من حوادث الانتحار في أوقات متقاربة بشكل لافت، وبعضها كان صادمًا في طريقة حدوثه، إذ بدا وكأن بعض الضحايا اختاروا أن يوجهوا رسالة أخيرة للعالم قبل الرحيل، سواء عبر الانتحار في أماكن عامة أو من خلال بث مباشر على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما جرى تداوله على نطاق واسع، في حين أن هناك حالات أخرى لم تصل إلى دائرة الضوء لأن أصحابها رحلوا في صمت تام دون أن يلتفت إليهم أحد.

المسألة في النهاية تتعلق بأغلى ما يملكه الإنسان وهي حياته، فكيف يصل به الحال إلى أن يتخلى عنها بهذه الصورة، بينما الأصل في الإنسان أنه يصارع من أجل البقاء ويبذل كل ما بوسعه في سبيل ذلك.

ومن منظور علم النفس، فإن الانتحار لا يحدث عادة بشكل مفاجئ أو دون مقدمات، بل هو في الغالب نتيجة تراكم طويل من الضغوط والأزمات النفسية التي لم تجد من يحتويها أو يعالجها.

حيث يمر الإنسان غالبًا بمراحل متدرجة تبدأ بالشعور باليأس وفقدان الأمل في أي تغيير ممكن، ثم الدخول في حالة من الاكتئاب قد تتفاقم مع الوقت، يليها الانسحاب من العلاقات الاجتماعية والشعور بالعزلة، ثم يصل الأمر في بعض الحالات إلى قناعة داخلية مؤلمة بأن وجوده لم يعد له قيمة أو أصبح عبئًا على من حوله.

ويؤكد المتخصصون أن الدافع في كثير من هذه الحالات لا يكون رغبة في الموت بقدر ما هو سعي نحو إنهاء الألم النفسي ذاته، أي أن المسألة في جوهرها ليست حبًا في الفناء وإنما هروبًا من معاناة تبدو بلا نهاية في نظر صاحبها.

وهو ما يجعلها حالة شديدة الخطورة تحتاج إلى احتواء ودعم نفسي مبكر قبل الوصول إلى هذه المرحلة.

وإذا نظرنا إلى السياق الاجتماعي الأوسع، يمكن ملاحظة أن ما يحدث اليوم لا ينفصل عن التحولات الكبيرة التي طرأت على المجتمع، سواء من حيث زيادة الضغوط المعيشية أو تسارع نمط الحياة أو شعور الناس ببعصهم البعض، لكن ما يلفت الانتباه أكثر في عدد من الحالات المتداولة أن الخذلان كان عنصرًا مشتركًا فيها.

وما أصعب أن يصل الإنسان إلى لحظة يشعر خلالها أنه وحيد تمامًا، لا يجد من يسمعه أو يفهمه، وكأن العالم كله سدت أبوبه أمامه، فيفكر في إنهاء حياته.

لكن رغم كل ذلك يبقى السؤال الأهم: هل يمكن أن يكون الفرار إلى الموت حلًا؟ وهل يمكن للإنسان، تحت وطأة الألم أو فقدان معنى الحياة، أن يقرر الانتحار باعتبار ذلك مخرجًا من أزمته؟ الواقع أن ما يبدو في لحظات الانكسار الشديد كأنه نهاية الطريق، قد لا يكون سوى لحظة عابرة داخل مسار أطول بكثير، فالحياة بطبيعتها متقلبة، وما يبدو اليوم مستحيلًا قد يتغير بالكامل في وقت لاحق.

وكثيرون مروا بلحظات ظنوا فيها أن لا مخرج ولا أمل، ثم تبدلت أحوالهم بشكل لم يتوقعوه.

ومن هنا يظل المعنى الإيماني حاضرًا في أن الأقدار بيد الله، وما يمر به الإنسان من شدائد ليس حكمًا نهائيًا على حياته، وإنما هو ابتلاء يتغير ويتبدل.

نلاحظ أنه مع كل إعلان عن حالة انتحار يثار الجدل حول حرمة ذلك حتى يصف البعض المنتحر بالكافر فتخرج آراء أخرى ترى أن ذلك قسوة في الحكم وأحينا يصل الأمر إلى تراشق على صفحات التواصل الاجتماعي.

في واقع الأمر لا يمكن بأي حال من الأحوال إصدار أحكام قاطعة على الأشخاص أو نياتهم أو خواتيمهم، فذلك أمر مرده إلى الله وحده العالم بما في الصدور، لكن المؤكد أننا أمام ظاهرة إنسانية بالغة الحساسية والخطورة، تحتاج إلى مزيد من الوعي والاحتواء والرحمة، لا إلى القسوة أو التجاهل.

وعلينا إدراك أن الدنيا في النهاية دار ابتلاء، وليست دار استقرار دائم، وهي رحلة قصيرة مهما طالت، وما يمر به الإنسان من ألم لا ينبغي أن يدفعه إلى فقدان إيمانه بإمكانية التغيير أو النجاة، ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي التوقف عندها دائمًا هي أن نكون أكثر رحمة ببعضنا البعض، وأكثر انتباهًا لمن حولنا قبل أن يصلوا إلى لحظة لا عودة فيها ثم نبكيهم وقد استغنوا تماما عن ذلك البكاء.

تابع مواقعنا