السبت 02 مايو 2026
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات
محافظات

النفقة المشتركة والتوزيع العادل للمسؤولية المالية تجاه الأطفال بعد الطلاق

الخميس 16/أبريل/2026 - 04:38 م

تمر الكثير من البيوت المصرية اليوم بمنعطف قاسٍ فرضته تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة باتت لها الكلمة العليا في تحديد المسارات الحياتية، مما يجعل نموذج المسؤولية الأحادية الذي تأسست عليه قوانين الأحوال الشخصية في مصر لعقود، يصطدم بواقع تشير فيه الإحصاءات الرسمية إلى طفرة كبيرة في المشاركة الفاعلة للمرأة في سوق العمل كشريك مالي أصيل، ومن منطلق هذا التحول، نجد أنفسنا أمام تساؤل جوهري لا يجوز تغافله: هل استجابت تشريعاتنا لمفهوم الشراكة في الحقوق بنفس القدر الذي تطالب به في الواجبات، لتصبح متماشية بشمل فعلي وحقيقي مع المادة (11) من الدستور والتي تلزم الدولة بتحقيق المساواة بين الرجل والمرأة في كافة الحقوق والواجبات؟

وإذ نثمن عاليًا الانحياز الصادق للسيد الرئيس عبد الفتاح السيسي للمرأة المصرية ودعم تعاظم مكانتها الحياتية والرسمية كشريك أصيل في نهضة المجتمع ونموه، وهو ما يجعلنا نرى أن الجمهورية الجديدة تتطلب الانتقال للمرحلة التالية المتمثلة في الانحياز للأسرة ككيان كلي متكامل، من خلال صياغة قانون الأسرة في نسخته الجديدة بشكل ينحاز للأب والأم والطفل معًا، ليصبح الضمانة النافذة للاستقرار، سواء في استمرار الزواج أو ما بعد الانفصال، فالعدالة القائمة على الشراكة هي وحدها الكفيلة بنزع فتيل النزاعات وحماية المجتمع من التفكك.

وفي زمن بات تمكين المرأة أمرًا مفعولًا، يصبح الإبقاء على النفقة الأحادية ما هو إلا إرهاقًا لطرف دون الآخر، وهنا تبرز القاعدة الفقهية “تغير الأحكام بتغير الأزمان” لتؤكد أن إعادة تنظيم المساهمات المالية يحقق المقصد الشرعي في حماية الصغار؛ فالنفقة لا يجب أن تكون التزامًا أحاديًا مرهقًا، بل استثمارًا في مستقبل الطفل، من خلال مساهمة الطرفين بإنصاف ووضوح، بما يحفظ كرامة الصغير واستقرار حياته التي تشكل ملامح مستقبله ومستقبل الدولة.

إن المقترح الذي نتحدث عنه يرتكز على "المعادلة الرقمية النسبية" المستلهمة من أرقى النظم القانونية العالمية، حيث نجد نماذج ناجحة يمكن تطويعها للواقع المصري، ففي الولايات المتحدة، تطبق ولايات عديدة نموذج "حصص الدخل" الذي يفرض تلقي الطفل لنفس نسبة الإنفاق التي كان سيتلقاها لو ظل والداه معًا، حيث يُجمع دخل الأبوين وتحدد النفقة كنسبة مئوية توزع بينهما حسب حصة كل طرف من إجمالي الدخل، ففي ألمانيا مثلًا، يعتمد "جدول دوسلدورف" كنظام تقني يحدد النفقة بناءً على فئات الدخل وعمر الطفل، محولًا إياها من تقدير جزافي إلى عملية حسابية عادلة تضمن توازنًا دقيقًا بين احتياج الطفل والقدرة المالية المجمعة للوالدين. أما في فرنسا، فيركز القانون على حفظ النمط المعيشي لضمان عدم تراجع مستوى حياة الطفل بفعل الانفصال، ملزمًا الطرفين بمساهمة نسبية تضمن استقرار الصغير نفسيًا واجتماعيًا وماليًا.

وبناءً على هذه النماذج، نرى أن الحل يكمن في معادلة رقمية شفافة، فعلى سبيل المثال اذا تم تقدير احتياج الطفل بـ 5000 جنيه، وكان دخل الأب 6000 والأم العاملة 4000، يتحمل الأب 60% والأم 40%، مع سريان هذه النسب آليًا على المصروفات غير الدورية والاحتياجات الطارئة، مع الأخذ في الحسبان الحماية العادلة للأم غير العاملة، ففي حال انعدام دخلها، تؤول حصتها للصفر آليًا ويظل الأب ملتزمًا بالنفقة الكاملة، مع الالتزام بـ "حد أدنى للكرامة" وقيمة مرنة للنفقة تُحدد وفقًا للمستوى المعيشي والاجتماعي للأسرة قبل الانفصال، ولضمان النزاهة في هذا الطرح، يجب تفعيل الربط الإلكتروني الشامل بين المحاكم وجهات الدخل والبنك المركزي لمنع التحايل، مع احتساب المساهمات العينية الموثقة كجزء من الحصة المالية.

إن هذه الشراكة المالية تقتضي بالضرورة ولاية مشتركة في القرارات التعليمية والطبية، فمن يتحمل عبئ البناء يملك حق المشاركة في التوجيه، ومن هذا المنطلق نرى ضرورة أن تكون هذه المعادلة هي المرجعية الأساسية لمكاتب تسوية المنازعات، مع اقتراح ابتكار منظومة حوافز إجرائية لكل من يلتزم طوعًا بهذه التسوية، مما يحول الامتثال المالي من عبئ مفروض إلى سلوك حضاري يعزز قيمة الرعاية المشتركة.

ولضمان الاستدامة، يبرز دور "صندوق تأمين الأسرة" في بنك ناصر الاجتماعي كضامن سيادي، يتدخل فورًا لتنفيذ المعادلة حال التعثر الطارئ لأحد الطرفين، مما يضمن تدفق النفقة دون توقف، ويحول ملف النفقة من نزاع استنزافي إلى قضية أمن قومي اجتماعي، مع ضرورة تطبيقه بتدرج تشريعي يحترم استقرار المراكز القانونية القائمة.

إن إقرار "المسؤولية الأسرية المشتركة" هو الخطوة الأهم في مسيرة صناعة مجتمع قائم على التوازن، ليصبح القانون أداة لبناء النفوس لا لهدم البيوت، ويبقى الصغير هو الطفل الأصيل في ظل نظام يحترم نضج الطرفين ويقدر شراكتهما المستمرة تجاه أبنائهما، لنضمن بذلك لأبنائنا والأجيال القادمة قيادة مستقبلهم الشخصي والوطني باستحقاق، وبصورة تليق بهيبة وعظمة الدولة المصرية وعراقة موروثنا الحضاري.

تابع مواقعنا