ماتت فرح.. وزُفَّت إلى السماء
في لحظة خاطفة، تبدل كل شيء.. ليلة كاملة انتظرناها طويلا، تحولت من ذروة البهجة ومنتهاها إلى مشهد هو الأكثر قسوة وألما في ذاكرتنا جميعا، ليلة كانت تتزين بالدعوات وتفيض بالأمل، انكسرت فجأة أمام قضاء الله، لترحل "فرح" وترحل معها فرحتها، ونبقى نحن مذهولين أمام جلال الموقف وسرعة تبدل الأقدار.
ليست كل الوقائع التي تمر بنا هي مجرد أخبار تحكى؛ فهناك من الأحداث ما يتجاوز وصف "الخبر" ليصبح وجعا إنسانيا يسكن الروح، لأن أثره لا يقف عند حدود أصحابه، بل يمتد لكل من شاركهم المكان أو عرفهم عن قرب، ومن هذا النوع كان رحيل "عروس الشرقية"، ذلك الحادث الذي لم يحصر الحزن في بيت واحد، بل صنع غصة في حلق كل ابن من أبناء مدينتي.
وبالنسبة لي، لم تكن الراحلة مجرد اسم عابر على صفحات التواصل، ولا قصة بلغتني من بعيد؛ بل هي ابنة من أبناء مدينتي، أعرفها وأعرف أسرتها الكريمة حق المعرفة، أعرف بيتا تأسس على السيرة الطيبة، والوقار الراسخ، والاحترام الذي يسبق أسماءهم أينما حلوا، ولهذا كان الخبر في قلبي أشد وطأة، فالمصاب حين يقع في بيت تألفه وتجله، يصبح الألم شخصيا، وتغدو الكلمات عاجزة عن حمل ثقل الفجيعة.
لقد فاض الحزن على رحيلها ليتجاوز حدود المحافظة والبلاد، وفي ساعات قليلة، تحولت قصتها إلى ملحمة إنسانية هزت الوجدان العربي من الخليج إلى المحيط، لقد ترحم عليها الملايين؛ ضجت منصات التواصل في كل العواصم العربية بكلمات الدعاء ودموع الفقد من أناس لم يروها يوما، لكنهم استشعروا في مأساتها انكسار أحلامهم، رأى فيها الجميع ابنتهم وأختهم، واجتمع الغرباء قبل الأقارب في تظاهرة حب ودعاء، ليؤكد هذا الإجماع أن الحز
ن الصادق لا يعرف حدودا، وأن طهر السيرة هو الذي يجمع القلوب حول الألم الواحد.
عرفت هذه الأسرة بيننا بما يعرف عن البيوت الأصيلة؛ هدوء في الطباع، ونقاء في السريرة، واحترام متبادل مع الجميع. وهي شهادة لا تمنح لمجرد المجاملة، بل هي رصيد صاغه الزمن وأكده إجماع الناس، ومن يعاشر أهل الشرقية يدرك أن "الأثر الحسن" هو رأس المال الحقيقي الذي لا ينفد، أما "فرح"، فقد كانت الثمرة الطيبة لهذا الغرس؛ فتاة تربت على الأدب الرفيع والخلق السامي، حضورها هادئ وأثرها عميق، وهذه هي الصفات التي تمنح أصحابها تلك المكانة العظيمة في القلوب حتى بعد الرحيل.
إن غصة القلب الحقيقية تكمن في توقيت الفقد؛ في ليلة كانت تتهيأ فيها الأحلام لبداية جديدة، ليلة زفاف يلتف فيها الجميع بالبشر والسرور، قبل أن ينقلب المشهد في طرفة عين، هنا لا نحزن على رحيل جسد فحسب، بل نحزن على حلم انطفأ قبل أن يكتمل، وفرحة لم تبلغ منتهاها، وقلوب وجدت نفسها فجأة أمام اختبار لا يواسى إلا بالإيمان.
لقد نالت "فرح" ما لا يناله إلا القليل؛ محبة صادقة تجلت في لحظة الوداع، ودعوات بالملايين من كل حدب وصوب، وما يبقى للإنسان بعد رحيله هو هذا الذكر الحسن، وتلك السيرة التي تظل تفوح مسكا في المجالس.
رحم الله ابنتنا الغالية، وأسكنها فسيح جناته، وأفرغ على قلوب أهلها صبرا جميلا وثباتا. وسيبقى عزاؤنا وعزاؤهم أنها رحلت تاركة خلفها حبا لا ينتهي، وأثرا لا يغيب.


