من آداب الزقازيق إلى تكساس ثم نيتشر.. القاهرة 24 ينفرد بأول حوار مع العالم المصري عبد الله زكي صاحب اكتشاف وجود محيط على المريخ
من قسم الجغرافيا كلية الآداب جامعة الزقازيق، مرورا بجامعة عين شمس ثم جنيف في سويسرا ثم إلى معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا المكان الذي حصل منه زويل على نوبل، وفي نهاية الأمر جامعة تكساس، نجح العالم المصري الشاب عبد الله زكي أن يسجل اسمه بين كبار العلماء في دراسة كوكب المريخ بتحقيق إنجازا علميا جديدا يعكس حضور الباحثين المصريين على الساحة الدولية، بنشر دراسة بحثية بدورية نيتشر، إحدى أبرز وأعرق المجلات العلمية عالميًا، تكشف أدلة جديدة تدعم فرضية وجود محيط قديم على كوكب المريخ.
وعاد عبد الله زكي ليؤكد رسالة قوية أن العقول المصرية أينما تجد الإمكانيات تنطلق ويؤكد أيضا أن جميع العلوم مهمة وقد تقودك العلوم الإنسانية إلى تغيير تفكير العلماء بالعالم، لتكون رسالة قوية لجميع طلابنا في مصر وأبنائنا في خارجها أنهم يمتلكون القدرات للإبداع دائما.
وفي هذا الحوار ينفرد القاهرة 24 بمحاورة الدكتور عبد الله زكي، الذي يكشف تفاصيل رحلته العلمية من الجامعات المصرية إلى كبرى المؤسسات البحثية العالمية، مرورًا بتجربته في معهد كالتيك، وصولًا إلى أبحاثه الحالية في جامعة تكساس، كما يشرح أبرز ما توصلت إليه دراسته، والجدل العلمي الذي قد تثيره، وآفاق البحث عن الحياة خارج كوكب الأرض.
في البداية.. حدثنا عن رحلتك التعليمية بمصر؟
أنا خريج كلية الآداب، قسم الجغرافيا بجامعة الزقازيق حصلت على البكالوريوس من هناك، ثم انتقلت إلى جامعة عين شمس، حيث حصلت على درجة الماجستير في الجغرافيا الطبيعية، وتحديدًا في تخصص الجيومورفولوجيا، وكانت هذه هي محطتي التعليمية داخل مصر.
كيف تصف لنا شعورك بعد نشر بحثك في مجلة نيتشر؟
كنت سعيد للغاية، فهذه لحظة استثنائية لأي باحث. في الحقيقة، لم أكن أتوقع من الأساس أن يتم قبول البحث، لكن فجأة جاءت الموافقة، وهو ما شكّل مفاجأة كبيرة بالنسبة لي، والحقيقة كان شعورًا يصعب وصفه بالكلمات، لأنه يمثل تتويجًا لرحلة طويلة من العمل والبحث، وفرحة خاصة لا يمكن التعبير عنها بسهولة.
حدثنا عن رحلتك العلمية من معهد كالتيك إلى جامعة تكساس؟
بعد حصولي على الدكتوراه في الجيولوجيا من جامعة جنيف في سويسرا، انتقلت إلى معهد كالتيك، حيث عملت في قسم الجيولوجيا وعلوم الكواكب، وكان معظم عملي هناك، بل كله تقريبًا، يتركز على دراسة كوكب المريخ، وهو ما شكّل البداية الحقيقية لتخصصي في هذا المجال، وبعد ذلك انتقلت إلى جامعة تكساس، واستمر عملي البحثي أيضًا في نفس الاتجاه، حيث ظل تركيزي الأساسي منصبًا على دراسة كوكب المريخ وتاريخه الجيولوجي.
كيف أثرت تجربتك في معهد كالتيك على مسارك العلمي؟
تجربتي في معهد كالتيك كانت تجربة مهمة ومؤثرة جدًا في مساري العلمي، حيث أضافت لي الكثير على مستوى الفهم وطريقة التفكير البحثي، وكانت بيئة علمية متميزة ساعدتني على تكوين رؤية أوسع حول البحث العلمي والتعامل مع الأسئلة الكبرى في علوم الأرض والكواكب، وهو ما انعكس بشكل كبير على مساري لاحقًا في دراسة المريخ وعلوم الكواكب بشكل عام.
ما الذي جذبك لدراسة كوكب المريخ تحديدًا؟
اهتمامي بكوكب المريخ يعود إلى كونه يمثل، من وجهة نظري، إما الماضي البعيد لكوكب الأرض أو ربما مستقبله. فالأرض اليوم تشهد ظواهر مثل التصحر، والتي من المتوقع أن تتفاقم مع الوقت، وهو ما يجعلنا نعيد النظر في الكواكب الأخرى التي مرت بتجارب مشابهة، فالمريخ كان في الماضي يحتوي على أنهار وبحيرات، وربما حتى محيطات، لكنه أصبح اليوم كوكبًا جافًا وصحراء واسعة.
ومن خلال دراسة الصخور والتضاريس على سطحه، يمكننا قراءة تاريخه الجيولوجي وفهم كيف تطورت بيئته عبر الزمن، وهو ما يجعل دراسته شديدة الأهمية ومثيرة للاهتمام بالنسبة لي.
هل يمكن تبسيط مفهوم Coastal shelf للقارئ غير المتخصص؟
المقصود بـ Coastal shelf على الأرض هو ما يُعرف بـ الرصيف القاري (Continental shelf)، وهو الامتداد المغمور بالمياه الذي يحيط بالقارات.
ويتكوّن هذا النطاق نتيجة التغيرات التدريجية في مستوى سطح البحر عبر عشرات الآلاف أو حتى ملايين السنين، إلى جانب دور الأنهار التي تنقل كميات كبيرة من الرواسب وتقوم بترسيبها في هذه المناطق، ما يجعلها في النهاية مناطق شبه مستوية، وغالبًا ما تتكون الدلتات فوق هذا الرصيف القاري، لذلك فهو يمثل بيئة جيولوجية مهمة تجمع بين تأثيرات البحر والأنهار عبر الزمن.
كيف تمكنت من رصد هذه النطاقات على سطح المريخ؟
اعتمدنا في ذلك على المعرفة الجيولوجية الموجودة لدينا على الأرض، حيث نعلم أن الرصيف القاري غالبًا ما يكون موجودًا تحت الدلتات، وبناءً على ذلك، درسنا مناسيب جميع الدلتات المكتشفة على سطح المريخ، ثم بحثنا داخل هذا النطاق عن المناطق ذات الانحدارات البسيطة. وبعد تحليل هذه الانحدارات، وجدنا أنها تتشابه بشكل كبير مع خصائص الرصيف القاري على الأرض، وهو ما دعم الفرضية التي نطرحها.
ما أبرز النتائج التي توصلتم إليها؟ وإلى أي مدى يمكن اعتبار هذه النتائج دليلًا قويًا وليس مجرد احتمال؟
النتائج التي توصلنا إليها تشير إلى وجود نطاقات طبوغرافية تتشابه في خصائصها مع الرصيف القاري أو الـ Coastal shelf الموجود على الأرض، وهو ما يُعد داعمًا لفرضية وجود محيط قديم على المريخ، لكن في الوقت نفسه، لا يمكن اعتبار هذه النتائج تأكيدًا نهائيًا، بل هي خطوة علمية تحتاج إلى مزيد من التحقق. فالتأكيد الحقيقي سيتطلب إرسال مركبات إلى هذه المناطق على سطح المريخ، بحيث تدرس الرواسب مباشرة وتحليل شكلها وسمكها وأبعادها وطرق حفظها، وعندها فقط يمكن أن نحصل على صورة أدق، ونؤكد بشكل أقوى الفرضية التي نقدمها كدليل جديد على احتمال وجود محيط قديم على المريخ.
ما أبرز الاعتراضات أو الشكوك السابقة حول وجود محيط على المريخ؟
أبرز الشكوك التي أُثيرت سابقًا كانت تتعلق بفرضية وجود محيط على المريخ من الأساس، حيث اعتمدت دراسات سابقة على رسم “خطوط شواطئ” افتراضية على سطح الكوكب، لكن هذه الخطوط أظهرت مشكلات كبيرة في المناسيب، فقد وُجد أن هذه المناسيب بها انحرافات قد تصل إلى كيلومترات، وهو ما يثير علامة استفهام كبيرة، لأن الشواطئ على الأرض تكون عادة عند منسوب شبه ثابت أو قريب جدًا من مستوى واحد (منسوب الصفر).
هذا التباين الكبير في الارتفاعات على المريخ جعل بعض العلماء يشككون في صحة فكرة وجود محيط قديم، معتبرين أن هذه الاختلافات قد تعني أن فرضية المحيط نفسها غير دقيقة أو بحاجة إلى إعادة تفسير.
كيف يرد بحثكم على مشكلة اختلاف مناسيب “الشواطئ” التي حيّرت العلماء؟
يقدم بحثنا تفسيرًا مختلفًا لهذه الإشكالية، إذ يرى أن البصمة الحقيقية للمحيطات ليست الشواطئ كما كان يُعتقد سابقًا، وإنما الرصيف القاري (Continental shelf)، فهذا الرصيف لا يتسم بالضرورة بمنسوب واحد ثابت، بل قد يختلف في الارتفاع والسمك من منطقة إلى أخرى بشكل طبيعي. فقد يكون في بعض المناطق عند مستوى يقارب 100 متر، وفي مناطق أخرى 200 متر، وقد يصل في مناطق مختلفة إلى 500 متر أو حتى 1000 متر، وبالتالي فإن اختلاف المناسيب بهذا الشكل أمر متوقع جيولوجيًا، ومن هنا، فإن التباين الذي ظهر في “خطوط الشواطئ” السابقة على المريخ يمكن تفسيره بشكل أفضل عند النظر إلى الرصيف القاري بدلًا من الشاطئ التقليدي.
هل تتوقع أن يثير البحث جدلًا جديدًا في المجتمع العلمي؟
أتوقع أن يثير البحث بالفعل قدرًا من الجدل داخل المجتمع العلمي، لكنني أراه جدلًا صحيًا وإيجابيًا في الوقت نفسه، فمثل هذا النوع من النقاشات العلمية عادة ما يفتح الباب أمام تطوير الفرضيات واختبارها بشكل أعمق، وقد يقود إلى جمع بيانات أكثر دقة، أو حتى تحفيز إرسال بعثات ومهمات جديدة إلى هذه المناطق على سطح المريخ، وهذا الجدل غير مقصود لكنه وسيلة لتقريبنا أكثر من فهم الحقيقة العلمية بشكل أدق.
ما المشاريع البحثية القادمة التي تعمل عليها حاليًا؟
أعمل حاليًا على مجموعة من المشاريع البحثية التي تركز على فهم كيفية تكوّن الأنهار. فالأنهار على الأرض تتشكل نتيجة تفاعل عدة عوامل، من بينها وجود الصفائح التكتونية، والتغيرات المناخية، ووجود أمطار تسمح بنحت الجبال وتكوين الرواسب، والتي تنتهي في الأنهار لتشكّل أنظمة نهرية كبيرة.
لكن على كواكب أخرى مثل المريخ، لا توجد صفائح تكتونية، رغم وجود دلائل على تغيرات مناخية سابقة. وهنا يبرز السؤال العلمي الأساسي: هل يمكن في غياب الصفائح التكتونية أن تتكوّن أنهار كبيرة بالضخامة التي نعرفها على الأرض؟ أم أن هذه الآليات تتطلب وجود الصفائح بالضرورة؟.
ما العلاقة بين وجود المحيطات وإمكانية نشوء الحياة؟
يمكن القول إن المحيطات تمثل بيئة أساسية لاحتمالات نشوء الحياة، لأنها توفر الماء السائل والاستقرار البيئي على مدى فترات زمنية طويلة، وهو ما يخلق ظروفًا مناسبة لتطور الكيمياء الحيوية، وعند الحديث عن الأنهار، فهي أيضًا عنصر شديد الأهمية، لأن الأنظمة النهرية الكبرى مثل نهر النيل أو الأمازون تلعب دورًا رئيسيًا في نقل ما يقرب من 70 إلى 80% من الرواسب إلى المحيطات. كما أن جزءًا كبيرًا من صور الحياة على الأرض يرتبط بهذه البيئات المائية.
ومن هنا تأتي أهمية التساؤل العلمي: هل يمكن تكوين أنهار ضخمة مثل النيل أو الأمازون في غياب الصفائح التكتونية؟ خاصة أن هذه الأنظمة لا تشكل فقط مجاري مائية، بل تؤثر في تشكيل سطح الكوكب ونقل الرواسب وتنظيم النظم البيئية، ما يجعلها عنصرًا محوريًا في فهم إمكانية وجود حياة أو بيئات صالحة للحياة.
ما هي الخطوة التالية في البحث عن دلائل الحياة؟
العمل الذي قمنا به يركز بالأساس على إثبات وجود بيئة مائية كبيرة على المريخ في الماضي، أي وجود محيط قد يكون استمر لفترة طويلة، وهو عامل مهم جدًا لأنه يُعد أحد الشروط الأساسية لتهيئة بيئة صالحة لنشوء الحياة، ولكن في المقابل، نتائجنا لا تثبت وجود حياة من عدمها، وإنما تؤكد فقط احتمالية وجود ظروف بيئية مناسبة لها في وقت ما من تاريخ الكوكب، وبالتالي فإن الخطوة التالية في هذا النوع من الأبحاث هي الانتقال من دراسة شكل البيئة القديمة إلى البحث المباشر عن مؤشرات حيوية، وهو ما يتطلب أدوات وبيانات أكثر دقة، وربما بعثات مستقبلية قادرة على تحليل المواد الجيولوجية في موقعها على سطح المريخ.
هل كان للعالم أحمد زويل تأثير في اختيارك لهذا الطريق؟
الدكتور أحمد زويل يُعد مصدر إلهام كبير لكل المهتمين بالعلم، وبالطبع كان له تأثير مهم في تشكيل نظرة الكثيرين تجاه البحث العلمي، وهو نموذج يؤكد أن لا شيء مستحيل في مسار العلم، وأن الإصرار والعمل الجاد يمكن أن يقودا إلى إنجازات عالمية. وهذه الفكرة كانت مؤثرة جدًا بالنسبة لي، كما أنها تمثل دافعًا لكثير من الشباب المصري والعربي المهتمين بدراسة العلوم والبحث العلمي.
ما الرسالة التي توجهها للشباب المصري الراغب في دخول مجال البحث العلمي؟
الرسالة التي أود توجيهها لكل شاب مهتم بالبحث العلمي هي أن يختار المجال الذي يحبه ويشعر بالشغف تجاهه، لأن هذا الشغف هو الأساس الحقيقي للاستمرار في هذا الطريق، ومن المهم في البداية أن يسعى الإنسان لاكتساب معرفة أساسية قوية في المجال الذي يرغب في العمل به، بحيث يكون قادرًا لاحقًا على طرح أسئلة علمية كبيرة والإجابة عنها بشكل منهجي.



