الكتابة على بُعد 700 كيلومتر من نقطة التحكُّم
أذكر جيدًا ذلك النهار الغائم من نهارات ديسمبر الذي كنتُ أقفُ فيه إلى جوار أبي - عليه رحمة الله - في شرفة بيتنا العتيق بوسط القاهرة وأنا أدعوه لأول جلسة قراءة علنيّة لنصوص كتبتُها وسألقيها أمام جمهور وزملاء كتابة، سرعان ما حسبتُ نفسي على الزملاء حتى قبل الإلقاء الأول، أذكرُ وقتها صمتَه الطويل ثم الردّ غير المتوقّع والذي لا يحمل تشجيعًا ولا نهيًا؛ فقط إقرارًا لأمر واقع: يا بنتي الأدب ما بيأكلش عيش.
يمكنني أن أرى الآن بعد ما يقرب من 20 سنة من هذه الوقفة الحنونة التي أفتقدها كثيرًا، أنه بعملية عقليّة بسيطة وبإدراك عميق من الأب لطبيعة أبنائه عرف أبي أنها لن تكون تجربة قراءة علنيّة وحيدة، وأنه سيتبعها محاولات أخرى سواء مرّت بسلام أم بجرح الفشل الأول، وأنه سيتبعها محاولات جادّة للنشر ربما يصاحبها حظّ المبتدئين وربما تشتدّ ضراوة حين أكون منافسة حقيقية بين هؤلاء الزملاء، وأن استلهام الشخصيات والتعرُّف على العالم يستتبع وجودًا وانتشارًا بين الناس والتعرُّض للتجارب المختلفة، وأن هذا -كل هذا- لن يكون كفيلًا لعائدٍ مُعتَبَر سواء مادي أو معنوي.
فقفز أبي إلى نقطة النهاية التي ربما أوقفتني قبل البدء ووفرّت عليّ الكثير من المعافرة والإحباط والمحاولة من جديد، كَم كُنتَ رحيمًا يا أبي، لكنك كنت مخطئًا، وكلُّ ما دار برأسك يا أبي الحبيب لم يكن إلا ظلالًا للمعاناة الحقيقيّة لامرأة تكتب في مجتمع عربي.
يرجُح أن الكتابة في محاولاتها الأولى ما هي إلا بعضٌ من تجاربنا الشخصيّة مزيّنة ببعض التعديلات التي وددنا لو أنها أضيفت على حياتنا الحقيقية أو إزالة للمقاطع المؤلمة التي نودّ لو نمحيها، ويعتقد كثيرون أن كل أعمال الكاتب - أي كاتب - تحملُ بعضًا منه ومن تجاربه ورؤيته، من روحه وأفكاره ومخاوفه، وأعتقدُ أنه إن لم تتسق هذه القاعدة على كل أعمال الكاتب فإنها بالضرورة تنطبق على أعماله الأولى.
فكيف يمكن لفتاة تعرفُ أن دائرتها الأقرب ستقرأ ما تكتب وتتداوله من باب أنها نجمة العائلة المرتقبة التي ستدخل أبواب الشهرة من أوسعها، أو من باب الوصاية والرقابة والسُّلطة، كيف لهذه الفتاة أن تذكر بحُريّة قصة حب بين البطلة وابن خالتها، لا لا فلنبتعد قليلا لا نريد مشاكل داخل العائلة، حسنًا بين البطلة وجارها، لا هذا أسوأ لن تدعني أمي أخرج إلى الشرفة أبدًا، حسنًا فليكن زميل الجامعة، هذا سيجعل أبي ينظر في ساعته كل عشر دقائق منذ أخرج للجامعة إلى أن أعود.. حسنًا.. لن أكتب عن الحب، سأجعل بطلتي ترفض شخصيّة أمها وتكره كل شخص يذكّرها بأن وجهها الجميل يشبه وجه أمّها تمامًا بما يشعرها بسيطرة أمّها عليها لهذه الدرجة فيؤدي الأمر لانتحار الفتاة، قصة كهذه يمكنها أن تجعل أمي تبكي منذ قراءة القصة وحتى يُبعث أهل القبور!
الكتابة عن الألم أو عن المعاناة تحمل في المجتمعات العربية دلالات وتأويلات شخصيّة وسلبيّة؛ أوّلها هو التنصُّل من مسببات ذلك الألم والرغبة في التراجع عنه إن أمكن، وعلى رأس هذه الآلام التي تُحرَم الكاتبة العربية من التعبير عنها هو ألم الأمومة.
الأمومة متعة كبيرة تحوي في داخلها ألم كبير أيضًا، من ألم المجهود البدني المضني الذي تقوم به المرأة العاملة في حقل أمومتها بشكل يومي لا منقطع وبكامل محبتها وتفانيها، إلى الألم النفسي المتمثّل في القلق الدائم ومحاولة تحجيم المخاطر التي تهدد كائن صغير يعبث بأي شيء في أي وقت وفي أي مكان، ويحاول بكل طاقته ودأبه الهروب من مظلّة هذه الأم وتجربة كل أنواع المخاطر المُحتملة بعيدًا عن حمايتها.
هذا بخلاف ألم من نوع آخر لا تتحدّث عنه إلا المُرَفّهات وهو فقدان السيطرة على حياتها الشخصية، فلا جدول منتظم ولا احتياجات مُلبّاة وقت الحاجة إليها تمامًا مهما كانت أهميّتها "النوم على سبيل المثال أو الخروج مع الأصدقاء أو حتى ممارسة فضيلة الصمت"، أعرفُ صديقة مهتمّة بالتأمل واليوجا وتجربة أشكالها المختلفة تتمنّى لو استطاعت تجربة صيام الكلام ولو ليومٍ واحدٍ كامل لكنها تعرف أنها لن تستطيع ذلك قبل أن يتم أصغر أبنائها 10 سنوات، أجابتها صديقة أخرى بأن لن تستطيع ذلك قبل أن يتزوّج أبناؤها جميعًا وهذا أيضًا غير أكيد.
في تلك الفوضى؛ فوضى المشاعر والوقت، الفوضى التي يغذيها القلق الدائم والرغبة في حماية هؤلاء الكائنات الضالّة الشاردة، كيف يمكن للكتابة التي تشترط الهدوء والتركيز على الفكرة أن تجد لها مكانًا على الطاولة وبين الأوراق الملأى بطلبات المنزل وجداول التمارين الرياضيّة والدروس.
والكتابة عن الأمومة وهمومها وآلامها تستتبعُ في مجتمعاتنا العربيّة عدّة ردود أفعال شبه محفوظة تتراوح بين التذكير بنِعم الله وعدم التبرُّم من حملِها كي لا "تغور من وشّنا" وبين "التبكيت" والانتقاد لأنه خيارنا الشخصي لأن نصبح أمّهات، وكأن مَن اختار المهام الكبرى ذات المسؤوليات المستديمة لا يحقّ له أن يئنّ أو يشكو أو يرهق أو يبكي أو يشعر بانعدام الحيلة في كثير من الأحيان.
ربما تواجه المرأة العاملة بشكل عام نفس الضغوط والانتقادات، لكن تلك القيود تزداد صرامة وقوة حول عنق الكاتبات على وجه التحديد، أولًا للنظرة القديمة التي تعتبر الكتابة مهنة فنيّة ترفيهية، فالكاتبة لا تطبب مرضى ولا تعلّم أطفالًا ولا حتى تبني مساكن، هي مهنة النساء اللاتي لا يجدن شيئًا يفعلنه فيمسكن الورقة والقلم، وثانيًا لما تستتبعه الكتابة من كشف وتعرية للمعتقدات ومناقشتها وعرضها على السطح، فالطبيبة والمهندسة والمُعلّمة والبائعة وربّة البيت كلّهن يتألمن ويتحمّلن مسؤولياتهن في صمت إلا الكاتبة التي كلما شدّ أحدهم على يدها بسلامٍ لم يعجبها كتبت وصاحت وشجبت ونددت وطالبت بتغيير قوانين الأسرة.
هذا على نطاق الطبقة المتوسطة التي حظيت بقدر لا بأس به من التعليم والتعرُّض لمختلف البرامج التوعويّة، لكن وضع الكاتبات من النساء يزداد سوءًا كلما ابتعدنا عن العواصم والمراكز الرئيسية وتوغّلنا على سبيل المثال إلى القرى وصعيد مصر الذي أنتمي إليه أيضًا أبًّا عن جدٍ، والذي ألقي بظلاله ومحاذيره على كل خياراتي الحياتية منذ طفولتي بما فيها ملابسي واختيار صديقات الدراسة والمحيط المسموح به في الحركة حتى في التجمعات العائلية والأفراح، مرورًا بكل الالتزامات التي تعيشها فتاة صعيدية المنشأ لكنها تعيش في مسكن يبعد 700 كيلومتر عن البيئة الأساسية المتحكّمة فيها.
ربما يكون كل ذلك مرّ بخاطِر أبي وهو يحاول -بلطف- أن يدفعني بعيدًا عن عالم الأدب والكتابة والانفتاح الداخلي على هموم وإدراكات وصراعات كان ينأى بي عن خوضها، وربما كان موقفه هذا هو أوّل الصراعات التي كان عليّ أن أنهيها وأنتصر فيها ابتداءً، ما يهمّ هو أنني أقف الآن على بُعد 20 سنة من هذه اللحظة غير نادمة على أي وقتٍ أوليته للكتابة على غيرها، ولا على أي وقت أوليته لشيء آخر على حساب الكتابة، ففي النهاية أجدُ نفسي عبارة عن توليفة من مكوّنات ومرجعيّات وموروثات لا يمكنني التنصّل منها؛ تتراصّ إلى جوار بعضها مكوّنة ذاتي الكُليّة التي تدير كلَّ بُعدٍ منها على حدة.


