السبت 02 مايو 2026
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات
محافظات

بين الافتتاحات والهيكل: أين تقف الصناعة في معادلة النمو؟

الجمعة 24/أبريل/2026 - 07:16 م

“ليس صحيحًا أننا نركز فقط على القطاع العقاري.. وجودنا اليوم لافتتاح عدد من المشروعات الصناعية يعد مثالًا واضحًا”،

بهذه العبارة قدّم رئيس الوزراء ردًا مباشرًا على الانتقادات المتكررة بشأن اختلال هيكل النمو، إذ حاول الإشارة إلى أن الدولة لا تنحاز لقطاع بعينه بقدر ما تسعى إلى تحريك الاقتصاد عبر مسارات متعددة.


غير أن الإشكالية هنا لا تتعلق بصحة الوقائع التي يشير إليها التصريح، فوجود مصانع جديدة أو افتتاح مشروعات صناعية هو أمر لا يمكن إنكاره، وإنما تتعلق بطبيعة المؤشر الذي يُقاس به هذا النشاط، وبالزاوية التي نقرأ من خلالها تطور الاقتصاد ككل، وهي زاوية غالبًا ما تغيب حين يتم الخلط بين “النشاط الاقتصادي” و“التحول الهيكلي”.

فالاقتصاد بطبيعته لا يُقاس باللحظة ولا بعدد المشروعات التي يتم تدشينها في فترة زمنية محددة، بل يُقاس باتجاهاته طويلة الأجل وبقدرته على إعادة توزيع موارده نحو القطاعات الأعلى إنتاجية والأكثر قدرة على خلق قيمة مضافة مستدامة.

ومن هنا، فإن النظر إلى مؤشر مثل القيمة المضافة للصناعة التحويلية كنسبة من الناتج المحلي لا يُعد تمرينًا إحصائيًا أو اختيارًا انتقائيًا للبيانات، بل هو أحد أكثر المؤشرات استخدامًا في الأدبيات الاقتصادية لقياس ما إذا كان الاقتصاد يتحرك في اتجاه إنتاجي أم يكتفي بتوسيع أنشطة قائمة دون تغيير جوهري في بنيته.


 

وعندما ننظر إلى هذا المؤشر في الحالة المصرية خلال السنوات الأخيرة، نجد أن الصورة تختلف عن تلك التي تعكسها مشاهد الافتتاحات أو تحملها التصريحات، حيث يظهر أن الصناعة لم تختفِ من المشهد الاقتصادي، لكنها في الوقت نفسه لم تعد تتقدم بنفس زخم قطاعات أخرى مثل العقارات على سبيل المثال.

بل إن وزنها النسبي داخل الاقتصاد يتراجع تدريجيًا، وهو ما يعني ببساطة أن القطاعات الأخرى تنمو بوتيرة أسرع وتستحوذ على نصيب أكبر من الناتج، وهو تطور يحمل دلالات تتجاوز مجرد المقارنة بين أرقام، ليصل إلى طبيعة النمو ذاته وما إذا كان متوازنًا أم منحازا نحو قطاعات بعينها.

وهذه الفكرة ليست جديدة في علم الاقتصاد، فقد أشار سيمون كوزنتس مبكرًا إلى أن جوهر التنمية لا يكمن في زيادة الناتج فقط، بل في التحول البنيوي الذي يصاحب هذه الزيادة، بينما ذهب نيكولاس كالدور إلى ما هو أبعد من ذلك حين ربط بشكل مباشر بين نمو الصناعة التحويلية ومعدلات النمو الاقتصادي، مؤكدًا أن الصناعة ليست مجرد قطاع ضمن قطاعات متعددة، بل هي المحرك الذي يعيد تشكيل الاقتصاد بأكمله من خلال ما تخلقه من روابط إنتاجية وتأثيرات ممتدة على بقية الأنشطة الاقتصادية.


وتأتي الأدبيات الحديثة، وعلى رأسها أعمال داني رودريك، لتعيد التأكيد على هذه الفكرة من زاوية معاصرة، حيث يبرز دور الصناعة في تحقيق ما يُعرف بالتعلم عبر الممارسة ونقل المعرفة، فضلًا عن قدرتها على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية، وهي خصائص تظل أكثر ارتباطًا بالصناعة التحويلية تاريخيًا، وإن كانت بعض القطاعات الخدمية الحديثة قد بدأت تقترب منها في سياقات محددة.

في هذا السياق، يصبح تراجع الوزن النسبي للصناعة مؤشرًا لا يمكن تجاهله، لأنه لا يعكس فقط أداء قطاع بعينه، بل يكشف عن نمط أوسع لتخصيص الموارد داخل الاقتصاد، حيث تتجه الاستثمارات والتمويل والاهتمام المؤسسي إلى قطاعات تحقق عوائد أسرع، وفي مقدمتها العقارات والبنية التحتية، وهي قطاعات تلعب دورًا مهمًا بلا شك في دعم النشاط الاقتصادي وتحسين جودة الحياة، لكنها بطبيعتها لا تولد نفس القدر من القيمة المضافة التراكمية ولا تملك نفس القدرة على دفع الصادرات أو تعزيز التنافسية الخارجية.

ومع استمرار هذا النمط، يبدأ الاقتصاد في التحرك تدريجيًا نحو حالة من عدم التوازن، حيث يزداد الاعتماد على قطاعات غير قابلة للتصدير، بينما تتراجع قدرة القطاعات الإنتاجية على لعب دور قيادي في النمو، وهي حالة تقترب في تفسيرها من مفهوم “المرض الهولندي” في صورته الأوسع، حيث لا يكون السبب بالضرورة اكتشاف مورد طبيعي، بل تدفقات مالية أو أنماط إنفاق تؤدي إلى إعادة توجيه الموارد بعيدًا عن القطاعات الأكثر إنتاجية، وهو ما ينعكس في النهاية على هيكل الاقتصاد وقدرته على تحقيق نمو مستدام.

ومن هنا، فأي اسقاط عن عدم سلامة استخدام مؤشر "نسبة الصناعة إلى الناتج المحلي"، بحجة أن الناتج نفسه ينمو، يحتاج إلى إعادة ضبط، لأن التحليل الهيكلي بطبيعته لا يكتفي بالأرقام المطلقة، بل ينظر إلى موقع كل قطاع داخل الاقتصاد، وهو ما يتسق مع مستهدفات الدولة المعلنة، سواء في رؤية مصر 2030 أو ضمن السردية الاقتصادية للتنمية الشاملة، حيث يتم التعامل مع الصناعة لا كرقم مطلق، بل كمكوّن نسبي داخل الناتج المحلي يعكس موقعها في هيكل الاقتصاد.

ومن ثم، فإن انتقاد الاستناد إلى هذه النسبة، أو الاكتفاء بالإشارة إلى نمو الصناعة في المطلق، يخرج عن الإطار المنهجي للنقاش الاقتصادي. فإذا كان الناتج ينمو لكن الصناعة تنمو بوتيرة أبطأ، فإن ذلك يعني أن وزنها يتراجع، وهو ما يعكس تحولًا في اتجاه النمو وليس مجرد اختلاف في السرعات.. بعبارة أخرى، يمكن للاقتصاد أن يتوسع رقميًا، وفي الوقت نفسه يفقد تدريجيًا بعضًا من قدرته الإنتاجية، وهو ما يجعل التركيز على النسب مسألة منهجية وليست اختيارًا انتقائيًا، إذ تحمل تحليلا أعمق وإشارات واجبة الانتباه إليها.

وعلى هذا الأساس، فإن النقاش الحقيقي لا يجب أن ينحصر في الدفاع عن وجود مصانع أو نفي التركيز على قطاع بعينه، بل ينبغي أن ينتقل إلى سؤال أكثر عمقًا يتعلق بكيفية تحقيق التوازن بين مكونات النمو، بحيث تصبح البنية التحتية داعمًا للنشاط الإنتاجي، لا بديلًا عنه، ويصبح الاستثمار العقاري جزءًا من منظومة متكاملة، لا محركًا رئيسيًا يحدد اتجاه الاقتصاد.


فالتجارب الدولية تُظهر بوضوح أن الاقتصادات التي نجحت في تحقيق قفزات تنموية كما في فيتنام أو كوريا الجنوبية، لم تفعل ذلك عبر التوسع في قطاع واحد، بل من خلال بناء هيكل متوازن تقوده الصناعة وتدعمه بقية القطاعات.

في النهاية، قد تكون الافتتاحات مؤشرًا على الحركة، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على الاتجاه، لأن ما يحسم الأمر في الاقتصاد ليس ما نراه في لحظة، بل ما يتراكم عبر الزمن، وليس عدد المشروعات التي يتم الإعلان عنها، بل وزنها الحقيقي داخل الناتج، وهو ما يجعل السؤال الأهم ليس ما إذا كنا نبني مصانع، بل ما إذا كانت هذه المصانع قادرة على تغيير موقع الصناعة في الاقتصاد، وتحويلها من قطاع ضمن قطاعات متعددة إلى قاطرة تقود النمو، وهو السؤال الذي لا تجيب عنه التصريحات بقدر ما تكشفه البيانات.

الأجمل من كل ذلك ان ما ذكرته عبر هذا المقال ليس كلامي بل هو ما يتأسس عليه نسق التخطيط في الدولة المصرية الذي حُكم عليه ظلما ان يظل حبيس الأدراج.

تابع مواقعنا