هل يتعارض الدين مع العلم؟ الصراع بين قداسة الإيمان وسلطة العقل في رواية نبي أرض الشمال
منذ أن بدأتُ أترقّب صدور أي عملٍ جديد للروائي والطبيب أسامة عبد الرؤوف الشاذلي، وأنا أتشوّق لاقتناء أعماله وقراءتها بنهم؛ لأنني على درايةٍ بأنني سأتصفّح عملًا ليس عاديًا، إمّا أن يكون تاريخيًا غارقًا في أعماق غياهب الماضي، أو يتناول قضية هوية ومصائر إنسانية، أو قصة تحمل عبرةً من القرآن، تذكر قصص الأمم السابقة بطريقة تأملية تدعوك إلى التدبر. لكن الرواية الرابعة، التي تحمل عنوان نبي أرض الشمال، تحمل مجموعةً جديدة من التساؤلات المتلاحمة والمتشابكة فكريًا، وتحمل في ذاتها إشكالية تستحق التأمل مليًا للوصول إلى معنى الحقيقة، أو على الأقل الفقه القلبي؛ لأنني على يقينٍ أن ما لا يصدّقه القلب يستحيل أن يتقبّله العقل. " وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179) وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" ونلحظ هنا ذلك الربط الدقيق بين الفقه القلبي ولفظ الغفلة. والمقصود بالغفلة، من حيث المعنى اللغوي، السهو، والنسيان، واللهو، والبلاهة، والغباوة. أمّا في المفهوم الديني، فهي الإعراض عن طاعة الله، وقسوة القلب، والسهو عن ذكر الله، وترك التدبر المتجاوز للمعنى الظاهر بوجه عام. فالقلب، منطقيًا، لا يفقه بذاته، لكن المعنى مجازيًا يشير إلى أن القلب والعقل لا يتعارضان، بل يتكاملان في إدراك الحقيقة.
- التبيئر السردي:
ننتقل إلى فكرة رواية نبي أرض الشمال التي تنهض على بناءٍ سردي مزدوج، يتجاور فيه عالمان تفصل بينهما القرون، بينما تشدّهما وشائج خفية من المعنى والمصير معتمدة على سُلم موللير الزمني بطريقة بارعة؛ فمن قرية مصرية في الدقهلية سنة 1998، إلى مسرح الأجورا بمدينة مارسيليا عام 325 قبل الميلاد، متنقلةً بين شخصيتي عمر القداح وقدموس. ومن خلال هذا التوازي المحكم، يكشف الكاتب جوهر رؤيته: أن الزمن ليس خطًا مستقيمًا جامدًا، بل مسار يتزامن مع البنية المكانية، لتعود فيه الأسئلة ذاتها، وتتكرر المشاعر والصراعات في أثواب جديدة وأزمنة مغايرة.
وتتجلّى الفكرة المحورية للرواية في استدعاء ما يُعرف بـ"تأثير الفراشة" وتلك مأخوذة من الثقافات الفلسفية التي تتناول فكرة اتنقال الأرواح لأجساد أخرى بعد موتها، حيث يلمّح الكاتب إلى أن لحظة عابرة، أو قرارًا صغيرًا، أو شعورًا لم يكتمل في زمن سحيق، قد يظل أثره ممتدًا عبر القرون ليظهر في صورة أخرى. وهكذا تتحول العلاقات الإنسانية، والحب، والفقد، بل وحتى الكراهية، إلى دوائر متصلة لا تنتهي بانتهاء أصحابها، وإنما تواصل تشكيل مصائر لاحقة. وهي من أعمق الأفكار التي شُيّد عليها النص وأكثرها تفرّدًا.
كما تطرح الرواية صراعًا رمزيًا بين نور المعرفة وظلمات الجهل؛ فالعلم هنا ليس ترفًا ذهنيًا ولا زخرفًا ثقافيًا، بل أداة خلاص في مواجهة التعصب، والخوف، والأساطير التي تُعمي البصيرة. ومن خلال شخصية بيثياس، يقدّم الكاتب قراءة جريئة لبعض الرموز التاريخية والدينية، فاتحًا الباب أمام أسئلة كبرى تتصل بالحقيقة، وتأويل التاريخ، والحد الفاصل بين الواقع والأسطورة، وهو ما يمنح العمل بعدًا فكريًا ثريًا يستفز العقل ويستدعي التأمل وذلك ما يسمى بالتبئير السردي بمعنى التبئير هو الزاوية أو المنظور الذي تُعرض من خلاله الأحداث داخل النص السردي، أي الجهة التي تُرى منها الوقائع. وهو لا يتعلق بالصوت السردي (السارد)، بل بموضع المعرفة والإدراك. وقد جاء هذا المفهوم ليحل محل مصطلح وجهة النظر (Point of View)، الذي كان فضفاضًا وغير دقيق في التمييز بين الراوي والرؤية. أما على المستوى الفني، فقد وُفّق الكاتب في الجمع بين السرد الروائي والطرح الفلسفي دون أن يطغى أحدهما على الآخر. فجاءت اللغة كثيفة الدلالة، مشحونة بالإيحاء، بينما حافظ البناء السردي على عنصر التشويق من خلال التنقل الذكي بين الأزمنة والشخصيات. وقد تتطلب الرواية قارئًا يقظًا يمنحها ما تستحق من تركيز، غير أن ذلك يُحسب لها لا عليها، لأنها تقدم أدبًا يراهن على وعي قارئه لا على استهلاكه العابر. لنقف عند جملة استهلاك عابر التي أعني بها أن الأدب لا يعتمد على التشويق فحسب؛ لأن الأدب عليه أن يقدم فكرة تتمحور حول قضة تسمو بروح القارئ، وأفكاره، تعلو بعقله إلى آفاق أوسع وأرحب في فضاء الخيال والإبداع، وتجادل فكرة اعتقادية داخله لتخلق الأزمة الاشكالية.
وفي المحصلة، فإن نبي أرض الشمال ليست مجرد حكاية تُروى، بل تجربة فكرية وروحية تتأمل معنى الزمن والروح والمعرفة. عمل يظل صداه حاضرًا بعد الصفحة الأخيرة، ويدفع القارئ إلى مراجعة كثير من يقينياته، متسائلًا: هل نعيش ظاهر الأشياء والحياة فحسب، أم أن هناك خيوطًا مستترة تصل الأمس باليوم، والعقل بالقلب، والمعرفة بتمام الإدراك؟ ونصل للإجابة من خلال الحوار بين قدموس ومعلمه بيثياس المارسيلي " ما جدوى المعرفة ما دمنا راحلين؟ ليرد المعلم: لأن المعرفة جسر بين عالمين؛ عالم نعرفه، وعالم ننتظره".
- جدلية الرواية التاريخية والتاريخ المتخيَّل:
في نبي أرض الشمال لا تبدو العلاقة بين الرواية والتاريخ مجرد استدعاءٍ للماضي أو نقلٍ لأحداثٍ غابرة داخل زمن سحيق، بل تظهر بوصفها حالة شدٍّ وجذب بين ما وقع فعلًا وما يُعاد تخيّله فنيًا. فالتاريخ هنا يقدّم مادته الخام الجامدة، بينما تتولى الرواية بثّ الروح فيها، فتتجاوز ظاهر الوقائع إلى أعماقها النفسية والإنسانية، وتجعل من الحدث التاريخي سؤالًا فكريًا لا حكاية منتهية.
ومن هذا المنطلق، لا يُعيد أسامة عبد الرؤوف الشاذلي كتابة الماضي كما سُجّل كأنه قصدير خام غير قابل للتشكيل، بل كما يمكن فهمه وتأويله من جديد إبداعيًا؛ إذ تتحول الأزمنة القديمة في النص إلى مرايا تعكس أزمات الإنسان عبر الأزمنة الفكرية، وتغدو الشخصيات التاريخية رموزًا تتجاوز حدود زمنها، فيما تصبح الوقائع الكبرى خلفيةً لصراعات أبدية تتصل بالخوف، والحب، والبحث عن الحقيقة.
أما الحقيقة في الرواية، فلا تُقدَّم باعتبارها وثيقة جامدة عن شخصيات تاريخية مثل بيثياس المارسلي وقدموس وبيثاغورس وفلسفته الحياتية أو يقينًا نهائيًا من خلال الزمن الحاضر وتساؤلات عمر القداح وأحمد الرحماني والعالم سلطان التونسي، بل بوصفها حقيقة فنية تنفذ إلى جوهر التجربة البشرية. ولهذا يغامر الكاتب بقراءات جريئة لبعض الرموز التاريخية والدينية، لا رغبةً في نقض التاريخ، بل في مساءلته وكشف المساحات التي تركها صامتة أو مؤجلة.
وهكذا تنهض الرواية على جدلية خصبة بين الواقعي والمتخيّل، بين الذاكرة والاحتمال، وبين ما حدث فعلًا وما كان يمكن أن يحدث. ومن خلال هذا التوتر الخلّاق، لا يكتفي النص بإحياء الماضي، بل يجعله أداة لفهم الحاضر واستشراف ما يختبئ خلف ظواهره.
الشخصيات الرئيسة والمضادة وأمانة المنطق والفلسفة:
من أكثر ما يترك أثره في نبي أرض الشمال تلك الجرأة الفكرية التي يطرح بها أسامة عبد الرؤوف الشاذلي أسئلته الكبرى؛ إذ لا يكتفي بالسرد والحكاية والمتعة والإثارة، بل يجعل من الرواية فضاءً رحبًا للتأمل، والقلق المعرفي، ومراجعة المسلّمات. فالشخصيات الرئيسية تبدو مضطربة، باحثة، لا تركن إلى يقينٍ سهل، بل تحاول فهم العالم بالعقل، وتختبر المسافة بين المنطق والإيمان، وبين المحسوس والغيب. وهنا يبرز السؤال الذي يتردد بين السطور: هل يتعارض الدين مع العلم؟ وهل تقف الفيزياء في الضفة المقابلة للعقيدة، أم أن كليهما طريقان مختلفان نحو إدراك الحقيقة؟
وتأتي الإجابة داخل النسيج الروائي من خلال شخصية عمر القداح، بطل الرواية، الذي يحمل هاجس السؤال، ويشبه في تكوينه الفكري عمَّه منير القداح، ذلك الرجل الذي كتب مقالًا يثور فيه على الجهل ويمجّد العلم. يقرأ عمر ما خطّت أنامل عمه الطبيب الراحل"... أيها العلم، أشهد ألا نبي إلا أنت، أشهد أنك نور يتأذى منه القابعون في الظلام، أشهد أنك قد فقت بالدهشة معجزات الأنبياء، ومحوت باليقين خرافات القديسين والأولياء، أشهد أن الإيمان بك لا يدعو للاعتذار، بل يدعو للعزة والافتخار. أستطيع أن أتخيل عالما بلا متدينين، ولكني لا أستطيع أن أتخيل عالما بلا علماء. اختلف المتدينون فيما بينهم،تقاتلوا، تشاحنوا، تباغضوا، اتهموا بعضهم بعضًا بالكذب، ولكنهم اتفقوا جميعا عليك، فرقتهم كلمة الدين،... إلى آخر ذلك الخطاب الذي يرفع العلم إلى منزلة الخلاص، ويجعله نورًا تنحسر أمامه جيوش الظلام، وتتهاوى تحت أقدامه قلاع الجهل.
غير أن الكاتب لا يترك هذا الطرح معلقًا في فراغ الانبهار، بل يوازن المشهد بذكاء من خلال الشخصية المضادة، أحمد الرحماني، الذي يدخل في حوار فكري مع عمر، فيقول الأخير: العلم هو نبي هذا الزمان، ولا حاجة للأديان في وجوده، ليأتيه الرد الحاسم: لكنه نبي كاذب لو دعاك إلى الجحود بدلًا من الإيمان. وهنا تتجلى براعة الكاتب؛ إذ لا يطرح السؤال من طرف واحد، بل يمنح الفكرة ونقيضها حق الظهور، ويجعل من الحوار ساحةً للعقل لا منصةً للوعظ.
وهنا عدتُ بذاكرتي إلى عام 2011، حين كنت طالبة في الفرقة الثالثة بكلية الآداب، وقرأت قصة جيفري لانج، أستاذ الرياضيات الأمريكي، واطلعت على كتابه "حتى الملائكة تسأل" في مادة الفكر الإسلامي. شدّتني قصته لأنه بدا شبيهًا بكثير من أبناء هذا العصر؛ رجلًا سأل كثيرًا، واعترض كثيرًا، ومرّ بمرحلة رفضٍ للدين بعدما عجزت التفسيرات التقليدية. لم يكن يبحث عن جدال، بل عن معنى، ولم يكن يطلب دينًا موروثًا، بل حقيقةً تستطيع أن تصمد أمام العقل والقلب معًا.
ثم جاءت لحظة التحول حين تعرّف إلى بعض المسلمين، فاندفع إلى قراءة القرآن الكريم لا بدافع الإيمان، بل بدافع الاختبار. دخل إليه بعين الناقد، فإذا به يجد نصًا يخاطب شكوكه وأسئلته، ويفتح أمامه أبوابًا لم يكن يتوقعها. أدهشني آنذاك أن رجلًا غارقًا في عالم المعادلات وجد في القرآن مساحةً للعقل لا خصومة معه، وحديثًا عن التفكر والنظر، وعن الإنسان القلق الذي يبحث عن يقين وسط الفوضى. لم يدخل الإسلام لأنه هرب من الأسئلة، بل لأنه شعر أن الأسئلة نفسها قادته إليه.
وقد بقيت قصته في ذاكرتي؛ لا باعتبارها قصة إسلام رجل غربي ومشترق فحسب، بل باعتبارها حكاية عقلٍ بحث بصدق حتى وجد ما يطمئن إليه القلب. فإسلامه جاء بعد رحلة طويلة من الشك والبحث عن الحقيقة، وعدم اقتناع ببعض التفسيرات التي نشأ عليها. وبحكم تخصصه في الرياضيات، كان يميل إلى المنطق ويرفض التسليم دون دليل، حتى وجد في القرآن خطابًا يخاطب العقل والروح معًا، وفكرة التوحيد المباشر، وعدالة الله ورحمته بلا وسطاء.
ومن هنا نعود بمقدمة المقال إلى المعنى الأول: أن الفقه الحقيقي ليس نقيض العقل، وأن الغفلة ليست نقص المعرفة بل جمود القلب وإن المنطق والفلسفة لا ينفصلان عن بعضهم بعض، وقد استحضرت الآية الكريمة" اليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية" بما تحمله من تلاقٍ بين النص الديني والاكتشاف الإنساني عبر الزمن، فالآية هي سبب إسلام جيفري لانج عندم علم بقدوم جثة محنطة من مصر يتم فحصها في فرنسا وتعود إلى قصة ذكرت في القرآن، وبالمصادفة أن جثة هذا الملك تكشف عن موته بسبب الغرق. فالرواية استفزت ذاكرتي، واستفزت كذلك قدرتي على الربط بين المنطق والإيمان، وبين العلم والدين.
إن العلم والدين لا يتعارضان إلا في القلوب الجامدة الجاحدة. ومن هنا وجب شكر أسامة عبد الرؤوف الشاذلي على أمانته العلمية والإبداعية والمنطقية ؛ فبعض الكتّاب يطرحون الأسئلة ولا يجرؤون على خلق شخصية مضادة ترد بالمنطق والدليل، رغبةً في إثارة الجدل أو تصدّر قوائم الأكثر مبيعًا، ولو كان الثمن زلزلة القناعات وتقديم الشك بوصفه بطولة زائفة على حساب الوجود الإلهي وفهم المقدس النصي.
لذا نفهم ليست الشخصيات المضادة في الرواية مجرد أدوات تُزرع داخل النص لإثارة التشويق أو تعقيد الحبكة، بل هي في جوهرها قوة دافعة تكشف أعماق العمل وتمنحه توتره الإنساني والفكري. فحضور الخصم لا يعني وجود عائق فحسب، وإنما يعني حضور السؤال، وظهور الجانب المظلم الذي لا يكتمل وعي البطل إلا بمواجهته. ومن هنا تنشأ علاقة شدٍّ وجذب بين البطل ونقيضه، تشبه العلاقة بين الفكرة وما يناقضها، أو بين الإنسان وما يخشاه في داخله.ومن الناحية الفنية، لا يكاد ينهض السرد الروائي من دون صراع، وغالبًا ما يتجسد هذا الصراع في شخصية مضادة تُربك مسار البطل، وتدفعه إلى الانكشاف والتغيّر. فهذه الشخصية لا تقف عند حدود الخصومة الظاهرة، بل تتحول إلى مرآة تعكس نقاط القوة والضعف، وتُظهر ما كان خافيًا في النفس أو الفكر. لذلك يكون الخصم أحيانًا أكثر من مجرد شخصية، بل أداة نقدية لاختبار القيم والمبادئ.
وعليه، فإن الشخصية المضادة ليست ضرورة درامية فقط، بل انعكاس لواقع اجتماعي وفكري أوسع، لأن كل مجتمع يحمل تناقضاته وصراعاته، والرواية لا تفعل سوى تجسيدها في أشخاص يتحركون على الورق، بينما يتركون أثرهم في وعي القارئ. وتطرح الرواية هذه الإشكالية من خلال فضاء تاريخي خصب في أرض مارسيليا القديمة، حيث أخوة فيثاغورس، وقدموس الشاعر، وإيولا ذات الشعر الأحمر، وتلك الأجواء الملحمية التي تمزج الشعر بالمعرفة والأسطورة بالبحث. ومن هناك تنطلق رحلة المعلم بيثياس إلى بحر الظلمات، نحو أقصى الشمال، حيث الجليد والبراكين والمجهول، حيث الإنسان يجهل ما وراء أفقه، ويظن أن العالم ينتهي عند حدود بصره.
غير أن بيثياس يعود محمّلًا بالخرائط والمعرفة والكتب، وكأن الكاتب يريد أن يقول إن الخوف من المجهول لا يُهزم إلا بالعلم، وإن الأسطورة كثيرًا ما تتراجع حين يضيء العقل عتمتها. ثم يمتد هذا الخيط المعرفي بعد أكثر من أربعة وعشرين قرنًا، ليواصله هاجلند وعمر القداح، في رحلة بحث عن براكين آيسلندا، والصدوع، والزلازل، وجيولوجيا الأرض. وهنا تتسع الأسئلة: هل الأرض كائن يتنفس؟ وماذا لو غضبت وهي تتنفس؟ وهل تضيع الأرواح هباءً في صمت الكون؟
إن الرواية لا تطرح العلم بوصفه نقيضًا للدين، ولا الدين بوصفه خصمًا للعقل، بل تجعلهما مجالين متكاملين للسؤال والتدبر. فالعلم يفسر الظواهر، والدين يمنحها معناها الوجودي، وبينهما يقف الإنسان حائرًا، متأملًا، ساعيًا إلى فهم نفسه والعالم من حوله. ومن هنا تتجاوز الرواية حدود الحكاية، لتصبح نصًا فكريًا يوقظ العقل، ويوقن أن المعرفة الحقة تبدأ من السؤال. كما قال المعلم بيثياس المارسيلي:" إن المعرفة هي ذلك النور الأزلي الذي سبقنا إلى العالم، ولا يعتقدن أحدكم إنه يبتدع العالم لحاله. فإننا نفسر ماهو موجود في الناموس منذ الأزل. فإن اقتبس أحدكم من ذلك النور شيئًا فلا يحسبه عنده، فإن ملا تهديه إلى غيرك سيفنى بين يديك".


