الأربعاء 06 مايو 2026
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات
محافظات

سماعات دقيقة وأساليب مبتكرة.. كيف تواجه الحكومة سوق أدوات الغش بالثانوية العامة؟| تقرير

صورة تعبيرية
تعليم
صورة تعبيرية
الثلاثاء 05/مايو/2026 - 08:57 م

لم تكن واقعة استقبال عدد من طلاب الثانوية العامة في مصر داخل عيادة أنف وأذن بمحافظة أسيوط، لاستخراج سماعات غش من آذانهم، مجرد حادث عابر في موسم امتحانات سابق، بقدر ما كانت مؤشر على ظاهرة أكثر اتساعًا، تجمع بين تطور التكنولوجيا وصعوبة الضبط داخل لجان الامتحانات.

النجاة المؤقتة.. ضحايا سماعات الغش

خلال امتحانات العام الماضي، كشف الدكتور عماد سلامة عيسوي، استشاري الأنف والأذن والحنجرة، عن استقباله 16 حالة لطلاب استخدموا سماعات بلوتوث دقيقة داخل اللجان، علِق بعضها داخل القناة السمعية، ما استدعى تدخلًا طبيًا، وصل في بعض الحالات إلى جراحة تحت التخدير الكلي. 

استخراج سماعة غش من أذن طالب
استخراج سماعة غش من أذن طالب

لم تكن تلك الواقعة وحدها، التي كشفت خطورة الظاهرة، إذ أعاد مقطع فيديو متداول عبر مواقع التواصل الاجتماعي تسليط الضوء عليها بشكل واسع، في الفيديو الذي ظهر فيه أحد طلاب الثانوية العامة في مصر عقب خروجه من لجنة الامتحان، بينما تحاول سيدة مساعدته في استخراج “سماعة غش” دقيقة من داخل أذنه باستخدام ملقاط معدني. المشهد، الذي بدا للبعض عابرًا ومثيرًا للضحك، حمل دلالات أكثر خطورة؛ إذ أحاط عدد من الحاضرين بالطالب وسط تعليقات ساخرة، قبل أن يعلّق هو ضاحكًا: “جت سليمة”، في إشارة إلى نجاحه في استخدام السماعة دون ضبطه داخل اللجنة، وخروجها دون أذى ظاهر، إلا أن هذا “النجاة المؤقتة” أثار موجة غضب واسعة بين أولياء الأمور والمتابعين، الذين اعتبروا الواقعة تجسيدًا لاستهانة متزايدة بمخاطر هذه الوسائل، سواء على مستوى القيم التعليمية أو السلامة الصحية.

ويرى خبراء تربويون أن خطورة هذه المشاهد لا تتوقف عند كونها حالات فردية، بل تعكس تحول الغش من ممارسة خفية إلى سلوك أكثر علنية، في ظل انتشار أدوات دقيقة يصعب اكتشافها داخل اللجان، وتحولها إلى سوق قائم بذاته يتوسع مع كل موسم امتحانات.

سوق متنامي لأدوات الغش.. من محلات الموبايل إلى منصات التواصل

إحصائيات حول إعلانات الغش
إحصائيات حول إعلانات الغش

لم تعد أدوات الغش الإلكتروني تُباع في نطاق محدود أو سري، بل أصبحت متاحة بشكل واضح عبر منصات التواصل الاجتماعي ومحلات بيع الهواتف المحمولة، في مشهد يعكس حجم الطلب المتزايد عليها خلال فترة الامتحانات.

وتنشط عمليات الترويج بشكل ملحوظ عبر تطبيقات مثل تيك توك وإنستجرام وفيس بوك، إلى جانب مجموعات مغلقة على تطبيق تليجرام تُستخدم لعرض تفاصيل أكثر دقة حول طرق الاستخدام وأسعار الأجهزة وآليات الشراء.

وتتنوع هذه الأدوات بين سماعات دقيقة للغاية لا يتجاوز حجم بعضها حبة العدس، تعمل بتقنيات البلوتوث أو شرائح اتصال داخلية، إضافة إلى نظارات ذكية مزودة بكاميرات صغيرة تُستخدم في نقل أو تصوير الأسئلة بشكل غير مباشر.

وتتراوح أسعار هذه الأجهزة بحسب درجة تطورها، إذ تبدأ السماعات من نحو 1000 جنيه وتصل إلى 3000 جنيه أو أكثر، بينما تتراوح أسعار النظارات الذكية بين 1250 و2500 جنيه تقريبًا، وتتصدر الإعلانات محافظتي أسيوط وسوهاج وفقًا لما يتم تداوله في الإعلانات الإلكترونية، ما يعكس وجود سوق نشطة تستهدف طلاب الثانوية العامة بشكل مباشر.

بعض من منشورات أدوات الغش بالثانوية العامة:

بعض من منشورات أدوات الغش بالثانوية العامة
بعض من منشورات أدوات الغش بالثانوية العامة
بعض من منشورات أدوات الغش بالثانوية العامة
بعض من منشورات أدوات الغش بالثانوية العامة
بعض من منشورات أدوات الغش بالثانوية العامة
بعض من منشورات أدوات الغش بالثانوية العامة
بعض من منشورات أدوات الغش بالثانوية العامة
بعض من منشورات أدوات الغش بالثانوية العامة

الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل وصل الأمر، إلى أن أولياء الأمور أنفسهم، بدأوا يبحثون عن السماعات، ويتشاورون حول امتلاك تلك السماعات، كما موضح بالمنشور التالي:

منشور لولية أمر داخل إحدى جروبات بيع السماعات
منشور لولية أمر داخل جروب بيع السماعات

ضغط الثانوية العامة ونظام التقييم.. من أين تبدأ الأزمة؟

يربط خبراء التربية بين انتشار هذه الظاهرة وطبيعة نظام الثانوية العامة باعتباره مرحلة مصيرية تحدد مستقبل الطلاب، إلى جانب الضغط النفسي والاجتماعي الواقع عليهم وعلى أسرهم.

كما يشير مختصون إلى أن الاعتماد المتزايد على أنظمة تقييم مثل البابل شيت ساهم في زيادة محاولات الغش، خاصة مع إدراك بعض الطلاب لصعوبة المراقبة الكاملة في ظل الكثافات العددية داخل اللجان.

وفي هذا السياق، أكد الدكتور تامر شوقي، أستاذ علم النفس التربوي، أن تضخيم فكرة السنة المصيرية يزيد من حدة التوتر لدى الطلاب، ما يدفع بعضهم للبحث عن أي وسيلة تضمن النجاح، حتى لو كانت غير قانونية أو تنطوي على مخاطر صحية.

ومع استمرار الحملات على أماكن بيع هذه الأجهزة، تبقى الإشكالية قائمة من وجهة نظر الدكتور محمد عزام خبير  أمن المعلومات، والذي يؤكد على أن التكنولوجيا تواصل التطور وتوفير أدوات جديدة، والضغط التعليمي يظل قائمًا، لتستمر المحاولات بأشكال مختلفة، وهو ما يعزز من طرح الحاجة إلى معالجة مزدوجة، لا تقتصر على تشديد الرقابة، بل تمتد إلى إعادة النظر في آليات التقييم، بما يقلل من دوافع اللجوء إلى الغش قبل ملاحقة وسائله.

كما يشير الخبراء،  إلى أن دور الأسرة لا يقل أهمية، حيث تمثل التوقعات المرتفعة من أولياء الأمور عامل ضغط إضافي، يدفع بعض الطلاب إلى سلوكيات غير سليمة في محاولة لتحقيق نتائج مرضية.

بين التشديد والإصلاح.. آراء أولياء الأمور والمعلمين

تتباين آراء المعلمين وأولياء الأمور حول مواجهة الظاهرة، فبينما يرى أحمد عبد الرحمن أحد المعلمين، أن الحل يكمن في تشديد الرقابة داخل اللجان ومنح صلاحيات أكبر للملاحظين، يؤكد محمد عبد الله، مدرس آخر أن كثيرًا من المراقبين يترددون في اتخاذ قرارات حاسمة خوفًا من تبعات قانونية أو ضغوط خارجية.

في المقابل، ترى منى حسن، ولية أمر أن الحل الحقيقي يبدأ من مرحلة مبكرة، عبر التربية على رفض الغش وتقليل الضغط النفسي المرتبط بالامتحانات، بدل الاعتماد فقط على الإجراءات العقابية داخل اللجان.

فيما يطرح خالد السيد مقترحات أخرى مثل نقل امتحانات الثانوية العامة إلى مقار الجامعات أو الاستعانة بأعضاء هيئة تدريس كمراقبين، بهدف تقليل فرص الغش ورفع مستوى الانضباط، إلا أن هذه الأفكار تم تأجيلها من العام الماضي لصعوبة تنفيذها.

مشاكل تواجه الطلاب ذوي الإعاقات السمعية

ثمة مشكلة أخرى تزيد الأمور تعقيدا تتعلق بالطلاب ذوي الإعاقات السمعية، خاصة مستخدمي أجهزة زراعة القوقعة، إذ يعتمدون عليها كوسيلة أساسية للسمع داخل لجان الامتحانات، حيث يواجه هؤلاء صعوبة حال منع الجهاز أو عدم مراعاة استخدامه، ما قد يؤثر على قدرتهم على سماع التعليمات ومتابعة الامتحان، ويطالبون فقط بتوفير بيئة عادلة تراعي ظروفهم الصحية، بما يضمن تكافؤ الفرص دون الإخلال بسير الامتحانات.

تحرك الدولة بين القانون والمواجهة الأمنية

وبدروها، تواجه وزارة التربية والتعليم الظاهرة عبر مجموعة من الإجراءات التنظيمية داخل لجان الامتحانات، تشمل تشديد الرقابة وتفعيل آليات التفتيش والتنسيق مع الجهات الأمنية عند رصد أي محاولات تسريب أو استخدام وسائل إلكترونية حديثة.

كما يعد قانون مكافحة أعمال الإخلال بالامتحانات أحد أبرز أدوات الردع، إذ يفرض عقوبات تصل إلى الحبس لسنوات وغرامات مالية كبيرة على مروجي أو ناشري أسئلة الامتحانات أو إجاباتها، إضافة إلى عقوبات على الشروع في الغش، مع حرمان الطلاب المخالفين من الامتحان واعتبارهم راسبين.

وزارة الداخلية تضبط بعض مروجي السماعات والنضارات الإلكترونية
وزارة الداخلية تضبط بعض مروجي السماعات والنظارات الإلكترونية

وفي السياق الأمني، كثفت وزارة الداخلية حملاتها ضد شبكات بيع أدوات الغش الإلكتروني، حيث تم ضبط وقائع لإدارة نشاط من داخل مراكز صيانة استُخدمت كغطاء لترويج سماعات دقيقة وكاميرات خفية وأجهزة تتبع.

إجراءات مرتقبة وتشديد متواصل

ووفقًا لمصادر خاصة لـ القاهرة 24، فإن وزارة التربية والتعليم تدرس خلال الفترة الحالية مجموعة من المقترحات الجديدة لمواجهة ظاهرة الغش وملاحقة مروجي السماعات والأجهزة الإلكترونية داخل سوق غير رسمي يتوسع مع كل موسم امتحانات.

وأوضحت المصادر أن الوزارة، بالتعاون مع الأجهزة الأمنية، تكثف جهودها لرصد وضبط القائمين على بيع هذه الأدوات، إلى جانب تتبع الصفحات والحسابات التي تروّج لها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مع اتخاذ الإجراءات القانونية حيالها.

وأضافت أن من بين المقترحات التي طُرحت خلال الاجتماعات التنسيقية، تفعيل إجراءات أكثر صرامة داخل لجان الامتحانات، من بينها دراسة قطع الإنترنت أو استخدام أجهزة تشويش لمنع التواصل الإلكتروني خلال زمن الامتحان، إلا أن هذه المقترحات لم يُبت فيها بشكل نهائي حتى الآن.

وتشير المصادر إلى أنه من المتوقع الإعلان خلال الأيام المقبلة عن حزمة إجراءات جديدة تستهدف تشديد الرقابة ومواجهة أي محاولات للغش أو الترويج له، ضمن خطة أوسع لضبط سير امتحانات العام الدراسي الجاري، وذلك جنبا إلى جنب مع تشديد آليات التفتيش والمتابعة، والتنسيق مع الجهات الأمنية عند رصد محاولات استخدام وسائل إلكترونية حديثة للغش.

تابع مواقعنا