من الحرمان والزواج المبكر إلى الدراسات العليا.. رحلة رشا عنتر الملهمة في قنا: كانوا بيتريقوا إني مطلقة وبدرس
داخل قرية المراشدة التابعة لمركز الوقف بمحافظة قنا، جلست رشا عنتر محمد، صاحبة الأربعين عامًا، تتأمل رحلتها الطويلة مع التعليم، رحلة بدأت بحرمان وقسوة مجتمع، وانتهت داخل قاعات الدراسات العليا، بعدما أصبحت تستعد لاستكمال حلمها بالحصول على درجة الدكتوراه.
رشا لم تكن مجرد سيدة عادت للتعليم بعد سنوات، بل كانت حكاية إنسانية كاملة عنوانها التحدي والإصرار وكسر القيود.

رحلة سيدة من محو الأمية للماجستير في قنا
بصوت يحمل وجع السنين، بدأت رشا حديثها لـ القاهرة 24 قائلة: أنا مدخلتش مدارس وأنا صغيرة، لأن والدي كان مقتنع إن تعليم البنات مش مهم، وكان مهتم يعلم إخواتي الولاد بس.
كبرت الطفلة وهي تنظر للمدرسة من بعيد، تراقب الأطفال بملابسهم المدرسية وحقائبهم الصغيرة، بينما كانت هي محرومة من أبسط حقوقها، متابعة: كنت بستنى الأطفال وهما راجعين من المدارس، وأفضل أبص عليهم وأنا نفسي أبقى زيهم، كان جوايا حب كبير للتعليم.

لم تتوقف المعاناة عند الحرمان من التعليم، بل امتدت إلى زواج مبكر وهي لم تتجاوز العاشرة من عمرها، بعدما “عملولها تسنين” حتى تبدو أكبر سنًا، لكن الزواج لم يستمر طويلًا، وانفصلت عن زوجها بعد أشهر قليلة، لتجد نفسها أمام واقع قاسٍ، لكنه فتح أمامها بابًا جديدًا للحياة.
بعد الانفصال، قررت رشا أن تتمسك بالحلم الذي عاش بداخلها سنوات طويلة، فالتحقت بفصول محو الأمية، وهناك بدأت أول خطوة حقيقية نحو مستقبل مختلف، مشيرة إلى أن أحد أقاربها كان صاحب دفعة جديدة في حياتها، بعدما نصحها بعد إنهاء محو الأمية بالالتحاق بالتعليم الإعدادي بنظام المنازل.

ورغم أن الدراسة لم تكن إلزامية بالحضور، فإنها كانت حريصة على الذهاب للمدرسة باستمرار، لأنها كانت تشعر أن كل يوم دراسة يعوضها عن سنوات الحرمان.
واصلت رشا رحلتها التعليمية حتى وصلت إلى الثانوية العامة، لكن المجتمع لم يتركها تكمل الطريق بسهولة، مردفة: «الناس كانت بتتكلم عليا عشان مطلقة وبدرس، وكانوا يقولوا إزاي واحدة كبرت ولسه بتتعلم»، ما ترك أثرًا نفسيًا قاسيًا بداخلها، حتى دخلت في حالة نفسية سيئة دفعتها لترك الثانوية العامة لفترة.

بعد فترة من الانكسار، استعادت رشا السيدة الأربعينية نفسها من جديد، وقررت العودة للتعليم، لكنها هذه المرة حولت مسارها إلى التعليم الفني الصناعي، وبالفعل حصلت على دبلوم الصنايع، قبل أن تلتحق بكلية الآداب قسم الاجتماع بنظام التعليم المفتوح، لتواصل رحلة التحدي بثبات أكبر.
ولم تكتفِ بالنجاح فقط، بل حصلت على تقدير “جيد جدًا”، لتثبت لنفسها وللجميع أن الحلم لا يرتبط بعمر، مؤكدة أن والدتها كانت أول وأكبر داعم لها منذ البداية، وكانت دائمًا تشجعها وتوفر لها كل ما تحتاجه حتى تستكمل تعليمها.
كما تحدثت رشا بفخر عن زوجها الثاني، وهو طبيب بيطري، والذي تزوجها أثناء دراستها بالسنة الثانية في الكلية، مؤكدة أنه كان صاحب دور كبير في تشجيعها على استكمال التعليم وعدم الاستسلام، مؤكدة: كان دايمًا بيشجعني ويقف جنبي ويقولي كملي.. إنتي تقدري.

بعد رحلة طويلة من التحديات، لم تتوقف رشا عند الحصول على الشهادة الجامعية، بل واصلت طريقها والتحقت بمرحلة تمهيدي الماجستير، لتقترب أكثر من حلمها الأكبر، مشددة على أن طموحها لم ينتهِ بعد، وأنها تستعد مستقبلًا لاستكمال الدكتوراه.
وخلال الأيام الماضية، كرمتها وزارة التضامن الاجتماعي تقديرًا لرحلتها الملهمة من محو الأمية إلى الدراسات العليا، وتحديها للظروف الاجتماعية والنفسية، مؤكدة على أنها فخورة بنفسها وبكل خطوة قطعتها في رحلتها، خاصة بعدما تحولت قصتها إلى مصدر إلهام للكثير من السيدات والفتيات.









