قلبٌ مُبصر
خلينا نرجع لحوالي 60 سنة لورا ونتكلم عن الطفل الأمريكي ديفيد هارتمان اللي كانت أمنيته من وهو عنده 4 سنين إنه يدرس الطب ويبقى دكتور.. أمنية طفولية شبه معظم أمنياتنا لما كنا عيال.. بس الفكرة إن كل اللي حواليه كانوا رافضين الأمر تمامًا ومش عايزين يخلوا الولد يتعشم بحاجة مش هتحصل!.. طب ليه مش هتحصل؟.. عشان للأسف ديفيد كان مولود كفيف بشكل تام!.. فبقى الوضع إن الولد بقى عنده 4 سنين، وبيحلم يطلع دكتور، وكل اللي حواليه بيحاولوا يخلوه يتخلى عن حلمه بشكل غير مباشر عشان محدش يحرجه.. إلا والده!
والد ديفيدأخده على جنب وسأله بشكل مباشر أنت متأكد إنك عايز تطلع دكتور؟.. فالطفل جاوب بأيوة طبعًا.. فوالده قال له تمام أنا معاك وفي ضهرك.. ديفيد اتردد شوية وسأل والده سؤال مباشر وقال أنا عارف إن والدتي وأخواتي وكل قرايبنا مش عايزين يخلوني أدخل طب ليه، عشان أنا كفيف!، تفتكر أنا لو دخلتها هفشل فيها فعلًا زي ما هما واثقين؟.. والده رد عليه إن إجابة السؤال ده مش هتتحدد إلا لو جرب، وكده كده أنت لسه قدامك على الأقل 12 سنة عشان تقدر تسأل السؤال ده أو تجرب عشان تعرف إجابته، بس ولحد ما الوقت ده ييجي أنا معاك وفي ضهرك زي ما قولتلك!.. عدت السنين ووصل ديفيد لسن الجامعة ووالده قدم أوراقه لـ 9 جامعات بس كلهم رفضوه بمجرد ما عرفوا إنه كفيف.. بس محاولات والده فضلت مستمرة لحد ما جامعة تمبل وافقت إنها تقبل ديفيد بس على مضض.
واجه ديفيد مشاكل كتير من أول يوم له في الجامعة.. لا كان عارف يشوف جسم الإنسان، ولا يميز الأعضاء أثناء التشريح.. مع الوقت اضطر يقلع الجاونتي اللي لابسه في كفوفه عشان يقدر يحتك أكتر بالجثث عن طريق اللمس ويحاول يميز اللي إيده بتلمسه، ورغم إن الطريقة دي نجحت شوية بس بعد فترة بسيطة بقت غير ذات جدوى عشان أطراف صوابعه فقدت هي كمان قدرتها على الإحساس بسبب محلول حفظ الجثث اللي كان الجوانتي بيحميه من الاحتكاك بيها!.. بس كده؟.. لأ.. ديفيد كان عنده مشكلة تانية كمان وكبيرة وهي المقررات الدراسية في الفترة الزمنية اللي حصلت فيها القصة بتاعته ماكانتش معمولة بطريقة برايل عشان يقدر يقراها بسهولة فقرر يتجاوز الأمر ده بإنه يكون أول شخص يخلى حد يسجل له الكتب والمحاضرات بصوته عشان يقدر يسمعها بعدين عشان بكده يبقى أول شخص تقريبًا في التاريخ يعمل مكتبة صوتية تساعد على التعلم.
كان بيذاكر 12 ساعة في اليوم.. كان بيتجاوز العقبات اللي بتقابله عقبة ورا التانية، أو بيتعايش معاهم ويدور لهم على حلول عشان في باله حلم عايز يحققه من طفولته، وعشان برضه فيه شخص وثق فيه ماكنش عايز يخيب ظنه!.. والده.. والنتيجة؟.. في سنة 1976 قدر ديفيد هارتمان إنه يتخرج من جامعة تمبل وياخد شهادة الطب بتقدير امتياز عشان يكون أول طبيب أعمى قدر يتخرج من واحدة من أصعب الكليات وهو في ظرف من أصعب الظروف.
الخطوة، أو الفكرة، أو الحلم، أو القرار اللي جُم في البال بإلحاح ومادام كان معاهم تخطيط ونية حلوة يبقى نفذ فورًا.. العمر بيجري.. مادام التكليف جه من ربنا، فالتوفيق هييجي وراه.. إذا كلف الله أعان.. اللي بيفضل واقف مكانه والتردد هو اللي سايقه على طول عمره ما هيتعلم، ولا هيتقدم خطوة لقدام في أي حاجة.. مادام الأمر مش متعلق بأخلاقك، ولا ضميرك يبقى جرب على قد ما تقدر كل ما تجيلك فرصة.. ندم عدم التجربة بيفضل اسمه ندم.. ندم التجربة اللي بتطلع غلط اسمه خبرة.. جلال الدين الرومي قال: “ما زرع الله فيك رغبة الوصول لأمر معين، إلا لأنه يعلم أنك قادر”.


