"روبيكون" في جنوب لبنان
من بين مشاهد العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا، كان الأبرز والأكثر تسويقًا في دعاية الرعب المتبادلة بين الطرفين الروسي والأوكراني، هي مشاهد طائرات الـFPV المحملة بالقنابل وهي تحلق وتطارد المركبات المدرعة الآلية، والمركبات المدرعة، وتطارد وحدات المشاة عبر الأشجار، وتتربص بالجنود فرادى حتى الموت.. طائرة لا تتجاوز قيمتها 400 دولار أصبحت هي الشاغل الأول للجنود في ساحات القتال، حتى إن الآلاف منهم أصبحوا يتلقون العلاج النفسي مما يسمى "رهاب الطائرات المسيّرة" لدى سيرجي أندريتشينكو، كبير الأطباء النفسيين في مستشفى كييف العسكري.
على قنوات التليجرام -الأكثر زخمًا بمحتوى الحرب الروسية الأوكرانية- ومنصات التواصل، تنتشر مقاطع الفيديو للطائرات وهي تطارد الجنود وتنفجر فيهم، مع مشاهدة لافتة لجندي أوكراني يتوسل لمسيّرة روسية ويطلب أسره بدل قتله، وجندي روسي يطلب من المتحكم في الطائرة بأن يبقيه حيًا مقابل أن يرفع الراية البيضاء ويستسلم.
وفي تحقيق لـ بي بي سي عُرض في أغسطس 2025، تحدث أحد مشغلي الطائرات الأوكرانية من هذا النوع عن تأثيرها في الحرب، ولخص مدى الرعب الذي يشاهده على ضحاياه قبل أن تنفجر فيهم الطائرات التي يتحكم فيها: "لا يمكنك الاختباء، والهرب عبثٌ لا طائل منه.. عليك أن تحاول أن تبقى هادئًا قدر الإمكان، وأن تدعو الله".
كان الروس هم الطرف الأكثر معاناة من هذا السلاح حتى عام 2024 عندما أنشئت وحدة “روبيكون” السرية للأنظمة المتقدمة بدون طيار.. وينسب لها الفضل في زيادة الضغط على القوات الأوكرانية مما أدى إلى الانسحاب الفوضوي من مناطق مقاطعة كورسك الروسية.
من ساحة حرب روسيا وأوكرانيا إلى ساحة الجنوب في لبنان، ظهرت تلك الطائرات في ميدان المواجهة بين حزب الله والقوات الإسرائيلية المتوغلة في لبنان -ضمن تداعيات الحرب الأكبر بين إيران من جانب، والولايات المتحدة وإسرائيل من جانب آخر- وبينما كانت إسرائيل تستخدم هذا النوع من المسيّرات حصرًا في تصيد واغتيال مقاتلي حزب الله، أصبح الحزب يعتمد على هذه الطائرات كسلاحه الرئيسي في الحرب.
نشر حزب الله مقاطع فيديو لأكثر من 45 هجومًا بطائرات بدون طيار، 28 منها في الأسابيع الأربعة التي تلت وقف إطلاق النار، الذي لم يعترف به الحزب، ولم يمنع إسرائيل إلا من استهداف عمق بيروت، بينما تستمر في عملياتها العسكرية في قرى الجنوب اللبناني بنفس الوتيرة التي سبقت إعلان ترامب أن الولايات المتحدة ستمنع إسرائيل من قصف لبنان.
استكشف حزب الله استخدام هذا النوع من المسيّرات كنقطة ضعف لدى الجيش الإسرائيلي، وأقر مسؤول الإعلام أن الحزب يستخدم هذه المسيّرات، وأنها تُصنَّع في لبنان: "نحن على دراية بتفوّق العدو، لكننا في الوقت نفسه نستغل نقاط ضعفه".
لم تُخفِ إسرائيل أن مسيّرات الحزب هي الخطر الأكبر على جنودها في لبنان، وأقر نتنياهو بذلك علنًا، ويقدر الجيش الإسرائيلي عدد مشغلي مسيّرات الحزب بنحو 100 عنصر -تلقت الغالبية العظمى تدريباتهم خلال فترة وقف إطلاق النار السابقة بين إسرائيل وحزب الله، عقب ما عُرف بحرب الإسناد التي شنها الحزب بعد اغتيال صالح العاروري في الضاحية.
كما أنها تخشى من تسارع حماس في تطوير هذا النوع من الطائرات، على غرار التكتيكات التي استخدمها حزب الله على الجبهة الشمالية.
قبل عامين، نشر مركز الإمارات للأبحاث ورقة بحثية هامة تحت عنوان "مسيَّرات (FPV): التوجهات العالمية والتهديدات الأمنية"، يوضح فيها أن الأهمية العسكرية لمسيَّرات (First-Person View) تكمن بصفتها أدوات منخفضة التكلفة، ولكن ذات نتائج مؤثرة، ومع الفاعلية الكبيرة التي أثبتتها مسيَّرات (FPV) في الأزمة الأوكرانية؛ يُرجَّح توجُّه دول إلى تبني هذه التكنولوجيا، وتشكيل أقسام معنية بالتشغيل والتدريب عليها ضمن قواتها العسكرية، وأن ما يزيد من خطورة مسيَّرات (FPV) حقيقة أن هذه التكنولوجيا تشكل تحديًا لأنظمة الدفاع الجوي التقليدية، التي تُصمَّم غالبًا للتصدي للتهديدات الأكبر حجمًا والأعلى ارتفاعًا، إضافة إلى الصعوبة في تحديد موقع المشغِّل وهويته؛ ما يزيد من تعقيد التحقيقات المتعلقة بحوادثها.


