التمويل الاستهلاكي بين الشمول والإغراق المالي
المتابع لتحولات اقتصاديات الأفراد خلال السنوات الأخيرة، يلحظ بوضوح تناميا متسارعا لظاهرة الاقتراض خارج الإطار المصرفي، عبر ما يعرف بأنشطة التمويل غير المصرفي، سواء من خلال شركات متخصصة، أو تطبيقات رقمية، أو حتى عبر شركات تمارس الإقراض بصورة رسمية وأحيانا غير رسمية، في ظل ضمانات محدودة للغاية، وتكاليف تمويلية تتجاوز في بعض الحالات ضعف أسعار الفائدة المطبقة داخل القطاع البنكي.
وهذا التوسع اللافت، الذي بات حاضرا في تفاصيل الحياة اليومية لقطاعات واسعة من المواطنين، فتح بابا واسعا من الجدل حول طبيعة هذا النشاط وحدود مخاطره الاجتماعية والاقتصادية، غير أن هذا الجدل لا يمكن قراءته باعتباره مجرد نقاش حول قطاع تمويلي سريع النمو، بقدر ما يعكس تحولات أعمق داخل الاقتصاد والمجتمع المصري، ترتبط بتراجع معدلات الادخار، وتصاعد الضغوط المعيشية، واتساع الاعتماد على الاقتراض كوسيلة لتعويض التآكل المستمر في القوة الشرائية.
ففي نوفمبر 2025، حذر الدكتور مدحت نافع الخبير الاقتصادي البارز من أن التوسع الكبير في التمويل الاستهلاكي قد يقود إلى ما يشبه “الفقاعة” إذا تم احتساب كل مصادر التمويل، بما يشمل القطاع المصرفي وشركات التمويل معا، مشيرا إلى ضعف عمليات التحقق من العملاء مع التسارع الكبير في النمو.
وقتها أشار أيضا إلى أن القفزة الضخمة في عدد المتعاملين لم تكن تعبيرا طبيعيا عن رخاء اقتصادي، بل انعكاسا مباشرا لتراجع القوة الشرائية وارتفاع معدلات الفقر، بما دفع قطاعات واسعة من المواطنين لاستخدام التمويل لسد الاحتياجات الأساسية لا الرفاهيات.
بعدها جاءت تصريحات المصرفي الكبير هشام عز العرب لتضيف زاوية أخرى أكثر حساسية، عندما تحدث عن القلق من تحول القطاع المالي غير المصرفي إلى ما يشبه قطاعا مصرفيا موازيا، مع التوسع المتزايد في إقراض الأفراد خارج الإطار البنكي التقليدي.
ثم جاءت إحاطة النائب حسام الخشت، النائب عن حزب العدل لتضع البعد الاجتماعي والتنظيمي داخل المشهد، خصوصا فيما يتعلق بحماية الفئات الأكثر هشاشة وتشديد الرقابة على السوق ومنع تحول التوسع في التمويل الاستهلاكي إلى عبء اجتماعي واسع ومحفز لظاهرة الغُرم.
في المقابل، جاء رد الهيئة العامة للرقابة المالية ليؤكد أن القطاع يخضع بالفعل لرقابة وتنظيم متزايد، وأنه لعب دورا مهما في تعزيز الشمول المالي وإتاحة التمويل لشرائح واسعة لم تكن تصل إليها الخدمات المصرفية التقليدية.
وهذا الطرح في حد ذاته مهم، لأن المشكلة ليست في وجود النشاط أو في مبدأ التمويل غير المصرفي ذاته، بل في كيفية إدارة التوسع السريع بصورة تضمن الاستدامة وتحمي المجتمع من المخاطر المستقبلية وتوفر مظلة رقابة وحماية للأفراد.
لكن لا يمكن فهم كل هذا الجدل بمعزل عن حقيقة أخطر بكثير، وهي أن مصر تمر حاليا بأدنى مستويات الادخار المحلي تاريخيا، فوفقا لموجز السياسات الصادر عن معهد التخطيط القومي بعنوان فجوة الادخار في مصر: التحديات الحالية وآفاق التحسين، تراجع معدل الادخار المحلي من متوسط بلغ 15.7% خلال الفترة من 2004/2005 إلى 2009/2010 إلى نحو 1.2% فقط في 2024/2025، مع اتساع فجوة الادخار والاستثمار إلى 11.7% من الناتج المحلي الإجمالي.
الأخطر أن الورقة نفسها تربط هذا التراجع بعدة عوامل مجتمعية وهيكلية، من بينها تآكل الدخول الحقيقية بسبب التضخم، وتراجع الثقافة الادخارية، واتساع النزعة الاستهلاكية، إضافة إلى الاعتماد المتزايد على التمويل لسد الاحتياجات الأساسية.
بل إن الورقة ذهبت بصورة مباشرة إلى التوصية بوضع ضوابط صارمة على الإقراض الاستهلاكي، خاصة في الريف، محذرة مما وصفته بـ”أثر العدوى” الذي يولد غارمين وغارمات نتيجة محاكاة الفئات منخفضة الدخل لأنماط استهلاك تفوق قدرتها الحقيقية.
وهنا تحديدا تصبح القضية أكبر من مجرد أرقام نمو في قطاع التمويل، ففي الظروف الطبيعية، يكون التمويل الاستهلاكي أداة لتحسين جودة الحياة وتنشيط الطلب، لكن في بيئة تعاني من ضغوط تضخمية مرتفعة وتراجع مستمر في القوة الشرائية، يتحول الاقتراض تدريجيا من وسيلة لتحسين الحياة إلى وسيلة لتأجيل الأزمة المعيشية، وهذا هو الفارق بين الشمول المالي والإغراق المالي.
فالشمول المالي الحقيقي يعني دمج المواطنين داخل النظام المالي الرسمي بصورة آمنة ومنتجة، عبر الادخار والتأمين والتمويل المسؤول، أما الإغراق المالي، فيحدث عندما يصبح الاقتراض نفسه بديلا عن نمو الدخل الحقيقي وبشكل سهل، أو عندما تتحول شرائح واسعة من المجتمع إلى الاعتماد المستمر على الدين لتغطية الاحتياجات الأساسية.
وفي هذه اللحظة تحديدا تظهر خطورة البعد الاجتماعي للملف، فحين تتراجع معدلات الادخار إلى مستويات تاريخية متدنية، وتتعرض الطبقات المتوسطة ومحدودة الدخل لضغوط معيشية قاسية، يصبح المواطن أكثر قابلية لاتخاذ قرارات مالية سريعة دون تدقيق كاف في التكلفة الحقيقية للتمويل أو المخاطر طويلة الأجل سواء على المواطن ذاته أو على النشاط الاقتصادي برمته.
خاصة وأن كثيرين لا ينظرون إلا إلى قيمة القسط الشهري، بينما يصبح تراكم الأقساط من أكثر من جهة تمويلية مدخلا تدريجيا إلى هشاشة مالية واجتماعية واسعة، وهو ما يفرض تدخلا بعيد النظر من الجهات المعنية.
التجارب الدولية مرت بهذه اللحظة من قبل، فأزمة الرهن العقاري عالي المخاطر في الولايات المتحدة بدأت تحت شعار توسيع فرص التمويل وانتهت إلى أزمة مالية عالمية بسبب التوسع غير المنضبط وضعف تقييم الجدارة الائتمانية.
كما اضطرت دول مثل الهند وكينيا إلى تشديد الرقابة على تطبيقات التمويل الرقمي بعد ارتفاع التعثرات وانتشار ممارسات استغلالية استهدفت الفئات الأكثر هشاشة، فالمشكلة لا تتوقف عند الأفراد بل تنتقل الى الاقتصاد كله.
ولذلك، فإن النقاش الحالي لا يجب أن يتحول إلى معركة بين مؤيد للقطاع أو معاد له، فالقطاع المالي غير المصرفي ضروري ومهم، وله دور حقيقي في دعم الشمول المالي والنشاط الاقتصادي، لكن نجاحه نفسه يفرض الحاجة إلى مرحلة أكثر نضجا من التنظيم والرقابة.
وعليه، فالمطلوب ليس وقف التمويل، بل ضمان الإقراض العادل، أي التأكد من قدرة العميل الحقيقية على السداد، والإفصاح الكامل عن التكلفة والمخاطر، ومنع تصميم منتجات تدفع المواطن عمليا إلى دوامة اقتراض مستمرة، إذ إن الخطر الحقيقي ليس في وجود التمويل، بل في أن نصل تدريجيا إلى نسخة مقننة وحديثة من ظاهرة المرابين التقليديين، لكن هذه المرة عبر تطبيقات رقمية وإعلانات جذابة وعقود قانونية كاملة.
ومن هنا يصبح النقاش حول التمويل غير المصرفي جزءا من نقاش أكبر يتعلق بالنموذج الاقتصادي نفسه، فحين يتراجع الادخار المحلي إلى مستويات تاريخية متدنية، ويتحول الاستهلاك الممول بالدين إلى أحد محركات النشاط الاقتصادي، تصبح الحاجة ملحة لإعادة التوازن بين التوسع الائتماني وبين بناء قاعدة ادخارية وإنتاجية أكثر استدامة، فالأسواق لا تنهار عادة بسبب غياب النمو، بل بسبب غياب التوازن.


