الجمعة 05 يونيو 2026
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات
محافظات

كثيرون حول النمو.. قليلون حول جودته

الخميس 28/مايو/2026 - 03:32 م

في السنوات الأخيرة أصبح الخطاب الاقتصادي الرسمي في مصر مزدحمًا بالأرقام الكبرى؛ معدلات النمو، والفائض الأولي، وارتفاع الاحتياطي النقدي، وزيادة الاستثمارات، حتى بدا وكأن الاقتصاد يتحرك في مسار صاعد لا خلاف عليه، لكن خارج هذه اللغة الاقتصادية الكلية، يعيش المواطن واقعًا مختلفًا تمامًا، لأن الناس لا تستهلك الناتج المحلي الإجمالي، بل تختبر الاقتصاد من خلال قدرتها اليومية على شراء الطعام، وتحمّل تكلفة العلاج، والحفاظ على مستوى معيشة مستقر.

المشكلة لم تعد فقط في تحقيق النمو، بل في جودته، فقد ارتفع الناتج المحلي بمتوسط 4.4% سنويًا بين 2015 و2025، لكن هذا النمو لم يتحول إلى رفاه حقيقي، وأصبحت القوة الشرائية والدخول الحقيقية تحت ضغط مستمر بفعل التضخم. ولهذا أصبح ممكنًا أن تسمع أرقامًا إيجابية عن الاقتصاد، بينما يشعر المواطن في الوقت نفسه بأن حياته أصعب مما كانت.

والشاهد أرقام لا يمكن تجاهلها: ارتفع المستوى العام للأسعار بأكثر من 370% منذ 2016، فما كان يُشترى بمئة جنيه بات يكلّف اليوم أكثر من أربعمئة وسبعين. والمثال الأقرب إلى الوجدان في موسم العيد هو اللحوم؛ ففي 2016 كان سعر الكيلو نحو 80 جنيهًا ونصيب الفرد السنوي 14.2 كيلوجرامًا، أما اليوم فتجاوز السعر 420 جنيهًا بينما تراجع النصيب إلى 8.5 كيلوجرامات. بحساب بسيط: المواطن يدفع ثلاثة أضعاف ليحصل على أقل من 60% من الكمية. وهذه ليست مزايدة سياسية، بل صورة مباشرة لضغط اقتصادي تعيشه الأسرة المصرية يوميًا.

وفي الوقت نفسه، تذهب نحو 64% من الموازنة العامة إلى خدمة الدين والفوائد، بما يعني أن كل جنيه عام لا يُنفق منه على الصحة والتعليم والخدمات سوى 36 قرشًا. والأخطر أن كفاءة هذا الإنفاق تبدو محدودة؛ إذ تكشف تقديرات وزارة التخطيط ذاتها أن المضاعف المالي لا يتجاوز 0.47 إلى 0.82 حتى بعد عشر سنوات كاملة من الإنفاق، بمعنى أن الجنيه العام لا يولّد في نهاية المطاف سوى نصف جنيه إلى أقل من جنيه من النشاط الاقتصادي الفعلي. وفي المقابل، تظل تكلفة الفائض الأولي الاجتماعية غائبة عن الخطاب الرسمي، سواء عبر تقليص الدعم، أو رفع أسعار الطاقة، أو التوسع في الضرائب غير المباشرة التي يقع عبؤها على محدودي الدخل. والنتيجة أن معدل الادخار المحلي لا يتجاوز 1.2%، في مقابل أكثر من 25% في اقتصادات ناشئة مقارنة.

وتشير آخر الأرقام إلى أن نحو 29% من المصريين لا يزالون تحت خط الفقر، أي أن ثلث السكان تقريبًا خارج دائرة النمو الحقيقي أصلًا، في وقت لم تُنشر فيه بيانات الفقر المحدّثة بانتظام منذ سنوات.

وكثيرًا ما تُساق الصين مثالًا، بحجة أن نموذجها احتاج عقودًا وأن مصر تسير في مسار مشابه. لكن هذه المقارنة تستحق وقفة أمينة. فالصين لم تبنِ نموها على التمويل الخارجي وتغطية الفجوات، بل على التصنيع التنافسي والتصدير. وفي تلك الحقبة ذاتها، ارتفع ادخارها المحلي إلى أكثر من 40%، وتضاعفت الإنتاجية، وخرج مئات الملايين من الفقر. أي أن النمو هناك كان يخلق فائضًا اقتصاديًا حقيقيًا يمكن إعادة استثماره، لا مجرد توسع في الاستهلاك والديون. لذلك فالصواب ليس في القول: “انتظروا كما انتظر الصينيون”، بل في السؤال الأهم: “هل نمونا يشبه نموهم أصلًا؟”

والجواب أنه لا يشبهه بما يكفي. فجزء معتبر من نمو العقد الأخير كان مدفوعًا بالإنفاق والائتمان والتوسع العقاري، أكثر من كونه نموًا قائمًا على التصنيع والإنتاجية والقيمة المضافة. ولهذا ظل أثره محدودًا على التشغيل الجيد والقدرة التصديرية ومستويات الدخل الحقيقية.

ومن هنا تتسع الفجوة بين لغة الحكومة ولغة المواطنين. الحكومة تتحدث عن الصمود والاستقرار والنمو، بينما يتحدث المواطن عن الأسعار والإيجارات وصعوبة الادخار. والمفارقة أن كلا الطرفين قد يكون محقًا في وصف ما يراه، لكن الأزمة تكمن تحديدًا في هذه الفجوة بين المنظورين.

فالنمو الذي لا يولّد وظائف ذات جودة، ولا يرفع الادخار، ولا ينعكس على القوة الشرائية، هو نمو ضعيف بنيويًا وقابل للتآكل مع أول صدمة خارجية. وهذا ليس حكمًا سياسيًا، بل ما يقوله علم الاقتصاد وتجارب الدول.

لذلك لم يعد كافيًا أن نسأل: “كم حققنا من نمو؟” السؤال الأهم هو: “من استفاد؟ وكم استفاد؟ وهل بنيته تضمن استدامته؟” لأن الاقتصادات لا تُقاس فقط بسرعة حركتها، بل بمدى شعور مواطنيها بثمار هذه الحركة، وبمدى قدرتهم على الادخار والاستثمار في مستقبلهم.

تابع مواقعنا