كيف تستقبل الجاليات العربية والإسلامية شهر رمضان في العواصم الأوروبية؟
مع اقتراب شهر رمضان المبارك، تتحول عدد من الشوارع في العواصم الأوروبية إلى فضاءات مفعمة بالروحانيات والدفء الاجتماعي، خاصة في تلك المدن التي يقطنها غالبية مسلمة أو بالقرب من المراكز الإسلامية والمساجد، حيث لا يقتصر شهر رمضان على العبادة والصيام، بل يمتد ليصبح مناسبة للتواصل الثقافي بين أبناء الشعوب العربية والإسلامية ومن بينهم أبناء الجالية المصرية.
وتحرص الجاليات العربية والإسلامية، خلال شهر رمضان المبارك، على تعزيز الروابط والصلة فيما بينها للتواصل البناء بينها والعمل على تقديم صورة حية عن الهوية الدينية والثقافية في عواصم المهجر بالقارة العجوز.
“القاهرة 24” تنقل بين عدد من عواصم قارة أوروبا، فمن ألمانيا إلى لندن، وبالعودة إلى سويسرا وصولا إلى النمسا، لعرض صورة حية من احتفالات الجاليات العربية والإسلامية هناك، ومحاولاتهم خلق أجواء رمضانية تشبه إلى حد كبير تلك التي تعودوا عليها وعايشوها في أوطانهم، مع لمسات محلية تفتح المجال للتلاقي بين الثقافات، وتتيح للجاليات فرصة الحفاظ على هويتها في بيئة أوروبية متعددة الثقافات خاصة للجيل الثاني والثالث من الأبناء والأحفاد وكذلك للأوروبيين الراغبين في التعرف عن قرب على عبادات وعادات المسلمين في شهر رمضان.

الجاليات العربية والإسلامية في رمضان تنظم فعاليات احتفالية في برلين
في العاصمة الألمانية برلين، تتحول أجواء رمضان إلى مناسبة تجمع المصريين والعرب معًا في جو مفعم بالدفء والتكافل الاجتماعي، وفقًا لما يصفه علاء ثابت، رئيس جالية بيت العائلة المصرية في ألمانيا، مشيرا إلى أن الجالية معتادة على تنظيم إفطارات جماعية سنوية، يجتمع خلالها أبناء الجالية مع أصدقائهم من جاليات عربية أخرى، مثل الجاليات المغربية والفلسطينية والسورية والأردنية، إضافة إلى مشاركة أصدقاء ألمان في بعض الفعاليات، ليصبح التجمع بمثابة لقاء ثقافي متعدد الأطياف.
ويضيف ثابت في تصريحات خاصة "للقاهرة 24"، أن عدد المشاركين في هذه التجمعات يصل لنحو 200 لـ 300 شخص، غالبًا خلال عطلة نهاية الأسبوع، لتتيح الفرصة للجميع للاسترخاء والاستمتاع بالأجواء الرمضانية، وتتنوع الأطعمة المقدمة بين المأكولات المصرية التقليدية، مثل الكشري والحلوى المصرية، وأطباق الدول العربية الأخرى، ما يعكس التنوع والثراء الثقافي للجالية، لافتا إلى أن الموسيقى الحية تساهم في تعزيز الروح الرمضانية، حيث يقدم فنانون مصريون عزفًا على العود وغيرها من الألات الشرقية، ليكتمل المشهد الرمضاني بأجواء حية ومبهجة.
بالإضافة إلى الجانب الاحتفالي، يشدد رئيس جالية بيت العائلة المصرية في ألمانيا، على أن التجمع على الطابع الديني والاجتماعي للشهر الكريم؛ إذ تتاح الفرصة لمن يرغب لأداء صلاة التراويح ضمن المكان نفسه، فيما تُركز الأنشطة على الأطفال والجيل الثاني والثالث من المصريين، لتعريفهم بالعادات الرمضانية والحفاظ على الهوية الثقافية والدينية في مجتمع أوروبي يختلف في عاداته.
ويشير علاء إلى أن التعاون بين الجاليات العربية في ألمانيا يشكل جزءًا أساسيًا من روح رمضان، حيث يتم تنسيق الجهود بين الجمعيات المختلفة لتعزيز التواصل بين المسلمين العرب والألمان، وتقديم صورة إيجابية للجالية في المجتمع المضيف، أما المشاركة الرسمية، فتشمل أحيانًا ممثلين عن أحزاب أو البلديات أو أعضاء البرلمان المحليين، بالإضافة إلى دعوة بعض الأقليات الدينية، مثل الأقباط، لتعزيز روح التعايش والتكامل الاجتماعي.
ويختتم علاء ثابت، رئيس جالية بيت العائلة المصرية في ألمانيا، تصريحاته بالقول إن تنظيم فعاليات خاصة بشهر رمضان في ألمانيا ليس مجرد إعادة إنتاج للعادات، بل هو خلق بيئة دافئة وواعية تسمح للمصريين في المهجر بالاحتفاظ بهويتهم والتواصل مع الآخرين، بطريقة تعكس قيم التكافل والتعاون والاحتفاء بالثقافة المشتركة.

دور كبير للمرأة المصرية والعربية في برلين لتنظيم الفعاليات الدينية والاحتفالات خلال شهر رمضان
وعلى صعيد آخر، تلعب المرأة المصرية والعربية في العاصمة الألمانية برلين، دورًا محوريًا في تنظيم فعاليات رمضان للجالية المصرية والعربية، وفقًا لما توضحه منى على السيد، رئيسة لجنة المرأة في بيت العائلة المصرية وممثلة مصر في اتحاد المرأة العربية، موضحة أن ذلك لا يقتصر على الجانب اللوجستي، بل يمتد ليشمل التنسيق الثقافي والاجتماعي والديني مع الجاليات الأخرى، وكذلك مع المجتمع المحلي الألماني.
توضح منى السيد، “للقاهرة 24”، أن العمل يبدأ قبل رمضان بثلاثة أشهر، حيث يتم التخطيط للفعاليات والاجتماعات الدورية لتدريب السيدات على إعداد الإفطار الجماعي، والعمل على ترسيخ العادات الرمضانية، وتعريف الأطفال والجيلين الثاني والثالث بقيم الصيام والعبادة وأسباب مشروعيتهما، بالإضافة إلى تقديم ورش عملية حول الطبخ والتحضير للفعالياتن لافتة إلى أن هذه اللقاءات تشارك فيها نحو 13 جالية عربية، ما يعكس التنوع الثقافي والتكافل الاجتماعي بين العرب والمصريين، مع إشراك الألمان في بعض الفعاليات لتعزيز الفهم المتبادل.
وتضيف رئيسة لجنة المرأة في بيت العائلة المصرية وممثلة مصر في اتحاد المرأة العربية، أن أبرز ما يميز فعاليات رمضان في برلين هو دمج العادات المصرية الأصيلة مع التواصل الاجتماعي المفتوح، من الفوانيس والزينة إلى إعداد الأطعمة الشعبية مثل الكنافة وغيرها، مع التأكيد على مشاركة الأطفال والشباب، وإقامة صلاة التراويح ضمن المكان نفسه، ما يعكس الروح الرمضانية الحقيقية ويتيح للأجيال الجديدة الارتباط بالهوية الثقافية والدينية.
وتوضح أن السيدات من الجاليات العربية والإسلامية يعملن بشكل مشترك على تصحيح المفاهيم المغلوطة عن العرب والمسلمين، عبر تبادل الخبرات الثقافية والأدبية والفنية مع الجاليات الأوروبية والعربية الأخرى، ما يخلق جسورًا من الفهم المتبادل والاحترام، مشيرة إلى أن التعاون يشمل أيضًا مشاركة ممثلين عن البلديات، وأعضاء البرلمان، بالإضافة إلى دعوة بعض الأقليات الدينية مثل الأقباط، في خطوة تهدف إلى تعزيز روح الوحدة والتعايش بين مختلف الطوائف والثقافات في ألمانيا.

30 ألف مصباح في أهم شوارع لندن احتفالا برمضان.. ومشاركة رسمية في الاحتفالات بالشهر الكريم
وبالانتقال إلى العاصمة الإنجليزية لندن، والتي تشهد هذا العام أجواءً رمضانية استثنائية من خلال عروض الإضاءة الاحتفالية ومسار الطعام الخاص بالإفطار، ففي شارع كوفنتري بمنطقة ويست إند، تتدلى أضواء LED زرقاء وبرتقالية تضيء المدينة ليلًا، والتي تضفي على قلب العاصمة روحًا احتفالية، وتظهر عبارة "رمضان سعيد" طوال الشهر، قبل أن تتحول إلى "عيد سعيد" عند حلول عيد الفطر، فيما تعكس هذه الفعالية مشاركة المجتمع المحلي وتعزيز التعايش بين الأديان، وفقا لموقع Visit London.
ووفقا للتقرير الذي نشره الموقع الإنجليزي، تستضيف لندن مجموعة من الفعاليات الثقافية والفنية التي تستكشف القيم الرمضانية من خلال الفن والإبداع، كما تشمل فعاليات رمضان برامج أمسيات التأمل والصلاة في أماكن مختلفة، تجمع بين العبادة والمشاركة المجتمعية، ما يعكس اهتمام المجتمع المحلي بتوفير بيئة احتفالية آمنة وشاملة تمنح الجميع شعورًا بالانتماء والاحتفاء بالهوية الثقافية والدينية للمسلمين في أوروبا.
ومنذ عدة أيام، شارك صادق خان، عمدة لندن، في مراسم تشغيل أضواء رمضان في ويست إند احتفالًا بالشهر الكريم، ووصفها بأنها رمز للمدينة التي تمثل التنوع والانفتاح، مشيرًا إلى أن الأضواء ستظل مضاءة طوال الشهر، بينما جاء تمويل المشروع جاء من مؤسسة عزيز، وهي منظمة خيرية تقدم منحًا دراسية ودعمًا للمسلمين في بريطانيا، كما أُضيئت مبانٍ عدة باللون الأخضر ضمن فعاليات الاحتفال.
وقالت رحيمة عزيز، عضو مجلس أمناء مؤسسة عزيز، إن أضواء رمضان في لندن تمثل دعوة مفتوحة لجميع الناس، على اختلاف معتقداتهم وخلفياتهم، للاجتماع والتعرف على القيم الجوهرية للشهر الكريم، مضيفة أن المبادرة أصبحت رمزًا للتنوع والعيش المشترك، وتعكس روح التعايش والدفء المجتمعي الذي يميز العاصمة البريطانية، وفقا لـ صحيفة الصن البريطانية.
تجدر الإشارة إلى أن أضواء رمضان ستتحول في 18 مارس لعرض عبارة "عيد سعيد"، وتستمر حتى مساء 24 مارس، ضمن أكثر من 30 ألف مصباح LED موفر للطاقة، تُضاء يوميًا من الساعة الخامسة مساءً حتى الخامسة صباحًا.

رمضان في سويسرا بأجواء مصرية وعربية
في جنيف العاصمة السويسرية، يبدو رمضان مختلفًا في تفاصيله اليومية، لكنه لا يفقد جوهره في قلوب المصريين وكذلك العرب المقيمين هناك، هكذا يصف لنا المشهد عن قرب جمال حماد، رئيس بيت العائلة المصرية بجنيف، مؤكدا أن الشهر الكريم يكون حاضرا بقوة في وجدان أبناء الجالية رغم المسافات واختلاف البيئات، مشيرًا إلى حرصهم السنوي على استقباله بروح تقترب قدر الإمكان من الأجواء المصرية والعربية الأصيلة.
يكشف جمال حماد، “للقاهرة 24” الاستعدادات والتي تبدأ مبكرًا داخل البيوت المصرية؛ من حيث زينة رمضانية والتي تزين النوافذ، والأطباق التقليدية من الوجبات التي تُعد بعناية، وموائد إفطار جماعية تجمع العائلات والأصدقاء، مشيرا إلى أنها تفاصيل تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تمثل رابطًا نفسيًا وإنسانيًا عميقًا بالوطن، ومحاولة واعية لإعادة إنتاج المشهد الرمضاني كما عرفوه في مصر.

ويوضح أن المساجد ومقار التجمعات العربية في المدينة تشهد نشاطًا لافتًا، سواء في الصلوات أو اللقاءات الاجتماعية التي تمتد لما بعد الإفطار، مؤكدا أن رمضان في الغربة يتحول من مناسبة فردية إلى جماعية تعيد ترميم الشعور بالانتماء، وتمنح الجاليات العربية والإسلامية والمصرلاية بالطبع مساحة دافئة للالتقاء وتبادل الذكريات.
ويشدد رئيس بيت العائلة المصرية بجنيف، أنه ورغم كل تلك المحاولات، يظل ما يفتقده المصري في الخارج ليس الصيام ذاته، بل “روح الشارع المصري” في رمضان؛ ومنها أصوات المسحراتي، الزحام قبل الإفطار، الزيارات العائلية العفوية، وكل تلك التفاصيل التي تصنع الحالة الرمضانية الخاصة التي يصعب استنساخها خارج مصر.
ويختتم جمال حماد، رئيس بيت العائلة المصرية بجنيف، بأن الجالية هناك ترى الحفاظ على العادات والتقاليد ليس مجرد حنين، بل شكل من أشكال المقاومة الهادئة للاغتراب، ورسالة واضحة بأن الهوية قادرة على البقاء مهما ابتعدت المسافات.

الجالية المصرية في النمسا تتمسك بالعادات الرمضانية
في فيينا عاصمة النمسا، تبدو الاستعدادات لرمضان أكثر تنظيمًا واتساعًا هذا العام، بحسب بهجت العبيدي، الكاتب المصري المقيم في فيينا ومؤسس الاتحاد العالمي للمواطن المصري في الخارج، لافتا إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تحولًا ملحوظًا في طبيعة الأنشطة؛ فبعدما كان التركيز ينصب أساسًا على الشعائر الدينية، بات هناك اهتمام متزايد بالبعد الاجتماعي والثقافي.
ويوضح العبيدي “ للقاهرة 24” أنه رغم أن المدن النمساوية لا تتحول إلى مشهد رمضاني صاخب كما في العواصم العربية، فإن أجواء الشهر الكريم تتجلى بوضوح داخل نطاق الجاليات، لافتا إلى أنه في العاصمة فيينا تحديدًا، يتم تكثيف الأنشطة في المراكز الإسلامية والثقافية؛ من تنظيم موائد إفطار، وتعليق فوانيس، والمشاركة بأطباق شرقية من الوجبات، وكذلك الحري على أداء صلاة التراويح، واصفا ذلك بأنه احتفال هادئ في ظاهره، عميق في أثره.
ويؤكد أن الحفاظ على الهوية الرمضانية المصرية في أوروبا لا يتحقق بالشعارات، بل بالممارسة اليومية، مشيرا إلى أن رمضان لا يقتصر هناك على الطابع الديني، بل يتحول إلى نافذة للتواصل مع المجتمع المحيط، حيث ينظم إفطار جماعي يتخلله حوار يدعى إليه شخصيات نمساوية، بما يعكس رغبة في تعزيز جسور الفهم المتبادل، وفي بعض الفعاليات الكبرى، يشارك ممثلون عن مؤسسات رسمية أو بلدية، في مؤشر على اعتراف متزايد بالتنوع الديني والثقافي داخل المجتمع النمساوي.










