خطبة عن رمضان مكتوبة.. نص خطبة الجمعة الأولى pdf
نقدم خطبة عن رمضان مكتوبة، فمع انطلاق أول أيام شهر رمضان المبارك، أعلنت وزارة الأوقاف المصرية أن خطبة الجمعة الأولى ستتناول موضوع الصيام كمدرسة للإرادة والكرم والسلوك القويم، داعية إلى تحويل العبادة إلى طاقة بناء للإنسان والمجتمع.
خطبة عن رمضان مكتوبة
وعن خطبة عن رمضان مكتوبة، فقد شددت الوزارة على أن رمضان ليس موسم عبادة مؤقتة، بل مشروع متكامل لإعادة بناء الإنسان على أسس الإرادة الواعية والكرم الإنساني والسلوك الأخلاقي الراقي.
وتضمن نص الخطبة أن الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل تدريب للنفس على ضبط العواطف وتنمية العطاء، وبناء شخصية متكاملة قادرة على خدمة المجتمع.
الحمدُ للهِ رب العالمين على عبادهِ بشهر رمضان مواسمِ الطاعات، وجعله مَحطة لتزكيةِ النفس نحمد الله سبحانهُ حَمدًا يليقُ بجلالِ وجههِ وعظيمِ سلطانه
أشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أنَّ سيدَنا ونبيَّنا ومولانا محمدًا عبدُ اللهِ ورسوله، وصفيُّهُ من خلقهِ وخليله، اللهم صلِّ وسلم وبارك على هذا النبي الأمين، وعلى آله الطيبينَ الطاهرينَ، وعلى صحابتهِ الغُرِّ الميامين، ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وبعدُ، فيا عبدَ اللهِ:لكل مسلم ومسلمة أحسنوا استقبالَ شهرِ رمضانَ، فهذا شهر معظَّم عليك اخي واختي المسلمة تهيِئة النفس لاستقبالِ الشهر الكريم بالطاعات وقراءة القرآن والدعاء والتضرع لله فشهر رمضان ميدانُ تخليةِ قلبِكَ من كدَرِ الأغيارِ، وتحليتِهِ بجواهرِ الأذكارِ، تتجلَّى فيه أمامَ بصيرتِكَ الحقيقةُ المحمَّديةُ في أبهى صورِها، وينكشفُ لكَ وأنتَ صائمٌ من لطائفِ القرآنِ ما لا ينكشفُ في غيرِه، وتغدو ساعاتُكَ فيه معراجًا لروحِكَ، حيثُ تترقَّى فيه من مقامِ الإسلامِ إلى مقامِ الإيمانِ، وصولًا إلى ذروةِ الإحسانِ، إنه موسمُ ضيافتِكَ الإلهيَّةِ، ومستقرُّ سكينتِكَ الرَّحمانيَّةِ، ليكونَ لكَ هُدًى، ولقلبِكَ نورًا، فالموفَّقُ من جعل من كلِّ لحظةٍ في هذا الشهرِ بابًا يطرقه للوصولِ إلى مرضاةِ الله، مقبلًا على مأدبةِ القرآنِ الكريمِ التي شرف الله بها هذا الزمانَ الشريفَ، مستحضرًا قولَ الحقِّ سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾.
أحسنْ استقبالَ شهرِ رمضانَ، فإنَّه شهرٌ مباركٌ اصطفاه اللهُ لك ليكونَ جلاءً لصدرِكَ وريًّا لروحِكَ من فيضِ القربِ، فقد فرَضَ اللهُ عَلَيْكَ صِيَامَهُ، وجعله لك ميقاتًا لترميمِ انكساراتِ نفسِكَ والترقِّي في منازلِ المحبّةِ، حَيْثُ «تُفَتَّحُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغَلَّقُ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ» لتصفو لك العبادةُ، وتتهيَّأَ لفيوضاتِ الحقِّ سبحانه، فهذا الزمانُ الشريفُ الذي صدقت فيه البشرى النبويةُ لك بأن «مَن قَامَ رمضان إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، حَيْثُ سرُّ قبولِكَ المتمثِّلُ في ليلةِ القدرِ التي هي ﴿خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، ومن حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، لقد أرادَ الله لروحِكَ أن تطيرَ بجناحي الأنسِ، فجُعِلتْ لك البشارةُ المحمديةُ «فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ»، بل ورفع مقامَكَ عنده حتى صار «خُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» وفتحَ بابَ الأملِ لقلبِكَ فصار «لِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ في كلِّ ليلةٍ»، فكن يا أخي حاضرَ القلبِ، متعرضًا لهذه الرحماتِ، ممتثلًا قولَ الجنابِ النبويِّ المعظم ﷺ: «إذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِر».
٣- أحسنْ استقبالَ شهرِ رمضانَ بالتأسي والاقتداءِ بالحالَ النبويَّ الرمضانيَّ الشريفَ، فاستغلالُكَ لهذا الزمانِ الشريفِ يقتضي منك يقظةً في قلبِكَ وهمّةً في طاعتِكَ؛ فأكثر من فعلِ الخيراتِ ووجوهِ البرِّ، واستحضرْ في كلِّ خطوةٍ تخطوها أن قدوتك الجنابُ المعظم ﷺ، فقد كان النموذجُ الأسمى في العطاءِ، فصدق في حضرته هذا الوصفُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ، فاجعلْ منْ صيامِكَ هذا العام مدرسةً لبناءِ إنسانيتِكَ، وعَمِّر باطنَكَ بالذكرِ والقربِ، وظاهرَكَ بالرفقِ والرحمةِ، وقدِّر لهذا الشهرِ قدرَه، واستشعر جلالَ القربِ من خلالِ جمالِ هيئتِكَ ونظافةِ محلِّكَ، فهو شهرُ الطهْرِ الذي يجب أن تشرق أنوارُه على مساجدِنا وطرقاتنا، فما أجمل أن يرى الله منك حرصًا على إماطةِ الأذى وتطييبِ المساجدِ، لتصنع بيئةً تليق بتنزُّل الملائكةِ وحلولِ الرحمات، ممتثلًا في ذلك الهدي النبويِّ الذي جعل من الطهارةِ شطرًا للإيمانِ؛ ولا يكتمل هذا البهاءُ الظاهريُّ فيكَ إلا بسموِّ تعاملِكَ، حيث يبدأ حسنُ خلقِكَ بضبطِ لسانِكَ قبل الإمساكِ عن طعامِكَ، فيصوم قلبُكَ عن الحقدِ ولسانُكَ عن الأذى، ويتجلّى نبلُ أخلاقِكَ في الترفع عن المشاحنات وجعلِ صومِكَ حصنًا ضد الغضب، وترجمةُ كرمِكَ إلى ابتسامةٍ صادقةٍ وكلمةٍ تجبر بها الخواطر، ليكون هذا الرقيُّ في مسلكِكَ وإتقانُ عَمَلِكَ هو الجوهرُ الحقيقيُّ لصيامِكَ، الذي يحوّل عبادتَكَ إلى سلوكٍ حضاريٍّ يفيض بالسكينةِ والوقار، التزامًا بتوجيه الجنابِ المعظم ﷺ حين قال: «إذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ».
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على سيدِنا رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وسلم)، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، وبعدُ:
فيأيُّها الصائمُ الموفَّقُ لمرضاةِ ربه، تجنَّبِ الإسرافَ والتبذيرَ، واعلمْ أن اللهَ تعالى ما جعلَ الصيامَ إلا ليكونَ جلاءً للقلوبِ، ومعراجًا تترقّى فيه الروحُ، فما نراه اليوم من غمرةِ الاستهلاكِ التي جعلت من شهرِ رمضانَ سباقًا لشراءِ السلعِ وتخزينِها، وكأنما هو موسمٌ لتكديس الأقواتِ لا لتطهير الذواتِ، وتكلف الموائدِ، وإسرافٌ يجاوز الحدَّ، فاجعلْ من صيامك هذا العام بابًا لجمالِ البساطةِ، واجعلْ مائدتك مظهرًا من مظاهرِ أدبك مع الله، وتذكّرْ أن القليلَ الذي يقيم صلبَك يفتح لك من مغاليقِ الحكمةِ ما لا يفتحه الامتلاءُ، فكن حكيمًا في مطعمك، بصيرًا بمقاصدِ دينك، بأن تقطع دابرَ التنافسِ في المظاهر، وتجعل ميزانك الحاجةَ لا الرغبةَ، فإن كثرةَ المتاعِ تشتّتُ الهمةَ وتُنسي الغايةَ، لتكون من أهلِ الاستقامةِ الذين تعمُر قلوبَهم بذكره، قبل أن تعمُر موائدَهم بما يفيض عن حاجتهم، ممتثلًا وصيّةَ الجنابِ النبويِّ المعظم: «ما ملأ ابنُ آدمَ وعاءً شرًّا من بطنِه حسْبُ ابنِ آدمَ أُكلاتٌ يُقمْنَ صلبَه»

خطبة عن رمضان شهر عبادة وعمل
وحول خطبة عن رمضان شهر عبادة وعمل، أوضحت الخطبة أن رمضان مدرسة للإرادة، حيث يمكن للإنسان أن يتحرر من سيطرة العادات والضعف، ويحول الصيام إلى انضباط نهاري وقيام ليلي يعكس القوة الداخلية.
كما دعت الخطبة المسلمين للاستفادة من هذا الشهر لإعادة صياغة وعيهم وبناء شخصياتهم على أسس القوة واليقين، مستشهدة بسير الأنبياء الذين حولوا المحن إلى منح والضعف إلى قوة، مؤكدة أن الصيام وسيلة لتحقيق الانتصار على النفس وامتلاك الإرادة.

خطبة عن فضل شهر رمضان مكتوبة
وفيما يخص خطبة عن فضل شهر رمضان مكتوبة، ركزت الخطبة على فضل الصيام كوسيلة للجود والكرم، مشيرة إلى أن الأعمال الخيرية في رمضان لا تنقص المال، بل تباركه وتزيده، مشيرة إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم «أَجود الناس كان أجود ما يكون في رمضان»، مؤكدة أن رمضان موسم لترميم القلوب المنكسرة وتحرير الإنسان من الشح والأنانية، وتحويل العبادة إلى فعل اجتماعي يخدم المجتمع ويزيد التلاحم بين أفراده.
من فضل رمضان التوعية الإقبال على القرآن الكريم الحمد لله الذي مَنَّ علينا بشهر رمضان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير ولد عدنان، وعلى آله وصحبه أجمعين،فقد خصَّ اللهُ أمة سيد الخلق سيدنا محمد بالكرامات، وتشريفٍ عظيمٍ إكرامًا لنبيّها صلى الله عليه وسلم، فجعل لها في شهرِ رمضانَ مزايا لا تُدانيها فيها أمة، وفضائلَ تتنزّل عليها تنزّل الرحمة على القلوب الظمأى، فقد أفاض الله على هذه الأمة في هذا الشهر من الخصائص ما يدلّ على عظيم منزلتها، وسموِّ قدر نبيّها عند ربّه،
فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أُعطيتْ أُمّتي في شهر رمضان خمسًا لم يُعطَهن نبى قبلي: أما واحدة فإنّه إذا كان أوّلُ ليلة من شهر رمضان نظر الله عز وجل إليهم، ومن نظر إليه الله لم يُعذِّبه أبدًا
وأما الثانيةُ فإنّ خَلُوفَ أفواهِهِم حين يُمْسُون أطيبُ عند الله من ريح المسك
وأما الثالثةُ فإنّ الملائكة تَستغفرُ لهم في كلّ يومٍ وليلةٍ
وأما الرابعةُ فإنّ الله عز وجل يأمُر جنَّتَه فيقول لها: استعدّي وتَزَيَّني لعبادي، أوشك أن يستريحوا من تَعب الدّنيا إلى داري وكرامتي.
وأما الخامسةُ فإنّه إذا كانَ آخرُ ليلة غُفر لهم جميعًا" فقال رجل من القوم: أهي ليلةُ القدر؟ فقال: "لا، ألم تَر إلى العُمّال يعملون فإذا فَرغوا من أعمالهم وُفُّوا أجورَهم". [رواه البيهقي]
ومن فضائل شهر رمضان أنه شهر القرآن فيه نزل القرآن الكريم نورُ السماء إلى الأرض، هو شهرٌ يُجدَّد فيه العهد مع كتاب الله؛ تلاوةً، وتدبّرًا، وامتثالًا، حتى يصبح القرآن رُوحَ رمضان، ويغدو رمضانُ مدرسةً قرآنية تُخرِج القلوب من ظلمة الغفلة إلى نور الهداية واليقين.
ولأن رمضانَ هو شهرُ القرآن، فإنَّ هذا الكتابَ العظيم لا يكتفي بأن يُصاحِب الصيام، بل يتغلغل في معانيه، فيحوّله من امتناعٍ عن الطعام والشراب، إلى صيامٍ شاملٍ يطال الجوارحَ والقلوبَ والأرواح.
فالقرآنُ يعمّق الصيامَ ليصبح صيامًا للسان قبل الجسد؛ إذ هو منبعُ الكلمة الطيّبة، ومصدرُ الذِّكرِ الصافي، ومع كثرة تلاوته وتدبّره، يضيق مجالُ اللغو، وتخبو نارُ الغِيبة، ويألف اللسانُ الذكرَ بدل الهذر، فيتحقق المعنى العميق لقوله تعالى: ﴿وَٱذۡكُر رَّبَّكَ فِی نَفۡسِكَ تَضَرُّعࣰا وَخِیفَةࣰ وَدُونَ ٱلۡجَهۡرِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡءَاصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡغَٰفِلِینَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
ثم يرتقي الصيامُ بالقرآن إلى صيام القلب، حيث تتساقط الأدران المعنوية: من حقدٍ، وحسدٍ، وتعلّقٍ بزينة الدنيا. فالتلاوة اليومية أشبه بغَسلٍ قلبيٍّ متواصل، يُنقّي الداخل، ويُعيد ترتيب المقاصد، ويُهيّئ القلب ليكون أهلًا لفهم سرّ ليلة القدر، تلك الليلة التي لا تُدرَك بأنوار العيون، بل بصفاء القلوب.
أحوال السلف مع القرآن في رمضان:
كان للسلف الصالح مع القرآن في هذا الشهر شأن عظيم، وحال عَجَب، وواقع جليل، فقد كانوا يُقبلون عليه إقبالًا كبيرًا، ويهتمون به اهتمامًا متزايدًا، ويتزودون مِن قراءته كثيرًا، ويعمُرون به جُلّ أوقاتهم.
فقد صح عن ابن مسعود رضي اللهُ عنه أنه كان يقرأ القرآن من الجمعة إلى الجمعة ويقرأه في رمضان في ثلاث [حلية الأولياء]
وصح عن الأسود بن يزيد أنه كان يختم القرآن في شهر رمضان في كل ليلتين [سنن سعيد بن منصور].
وكان الإمام البخاري يقرأ في كل يومٍ وليلةٍ من رمضان ختمة واحدة.
وكان الإمام الشافعي رحمه الله يختم القرآن في كل يومٍ وليلةٍ من شهر رمضان مرتين.
ومنهم من كان يختمه كل جمعة أو كل خمسة أيام، وكل هذا مسارعة منهم للخيرات، وزيادة للأجر والدرجات، واغتنامًا لأوقاتِ تُضاعُف الحسنات.
وقد صح عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ، وَارْقَ، وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا». [مسند الإمام أحمد].
وقال خباب بن الأرت: «"تقرب إلى الله ما استطعت، فإنك لن تقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه» [شرح السنة للبغوي].
عن أبي عثمان قال: "دَعَا عُمَرُ الْقُرَّاءَ فِي رَمَضَانَ، فَأَمَرَ أَسْرَعَهُمْ قِرَاءَةً أَنْ يَقْرَأَ ثَلَاثِينَ آيَةً، وَالْوَسَطَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ آيَةً، وَالْبَطِيءَ عِشْرِينَ آيَةً". [مصنف ابن أبي شيبة]
عن العمري عن أبيه، قال: "كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَأْمُرُ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ فِي رَمَضَانَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِعَشْرِ آيَاتٍ عَشْرِ آيَاتٍ" [مصنف ابن أبي شيبة].
عن عمران بن حدير قال: "كَانَ أَبُو مِجْلَزٍ يَقُومُ بِالْحَيِّ فِي رَمَضَانَ، يَخْتِمُ فِي كُلِّ سَبْعٍ". [مصنف ابن أبي شيبة]
عَنْ أَبِي قِلَابَةَ: فِي حَدِيثٍ كَانَ يَرْفَعُهُ: "مَنْ شَهِدَ فَاتِحَةَ الْقُرْآنِ حِينَ يُسْتَفْتَحُ كَانَ كَمَنْ شَهِدَ فَتْحًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَنْ شَهِدَ خَاتِمَتَهُ حِينَ يُخْتَمُ كَانَ كَمَنْ شَهِدَ الْغَنَائِمَ حِينَ قُسِّمَتْ»، وَكَانَ أَنَسٌ رضي الله عنه إِذَا خَتَمَ الْقُرْآنَ جَمَعَ وَلَدَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ فَدَعَا لَهُمْ، وَكَانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَجْعَلُ عَلَيْهِ رَقِيبًا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْتِمَ قَالَ لِجُلَسَائِهِ: "قُومُوا حَتَّى نَحْضُرَ الْخَاتِمَةَ"، وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ وَطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ: "كَانَ يُقَالُ إِذَا خَتْمَ الرَّجُلُ الْقُرْآنَ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ بَقِيَّةَ نَهَارِهِ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِذَا خَتْمَهُ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانُوا يُحِبُّونَ أَنْ يَخْتِمُوا الْقُرْآنَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ أَوْ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ"، وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: "يُصَلِّي عَلَيْهِ إِذَا خَتَمَ يَعْنِي الْقُرْآنَ". [مختصر قيام الليل وقيام رمضان وكتاب الوتر].
سَمِعْتُ الرَّبِيعَ، يَقُولُ: "كَانَ الشَّافِعِيُّ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي رَمَضَانَ سِتِّينَ خَتْمَةً" [فوائد أبي بكر الزبيري (ص٦٨)] [مناقب الشافعي للبيهقي]
قال الربيع: سمعت الشافعي يقول: "كنت أختم في رمضان ستين مرة". [حلية الأولياء وطبقات الأصفياء]
عن محمد بن علي بن حبيش، يقول: "صحبت أبا العباس أحمد بن محمد بن عطاء عدة سنين متأدبا بآدابه، وكان له كل يوم ختمة، وفي كل شهر رمضان في كل يوم وليلة ثلاث ختمات" [حلية الأولياء وطبقات الأصفياء]
عن أبي يوسف، قال: "كان أبو حنيفة يختم القرآن كل يوم وليلة ختمة، فإذا كان شهر رمضان ختم فيه مع ليلة الفطر ويوم الفطر اثنتين وستين ختمة" [أخبار أبي حنيفة وأصحابه للصيمري]
عن مُسَبِّح بن سعيد، قَالَ: "كَانَ البُخَاريّ إذا حضر رمضان يجتمع إليه أصحابه فيصلي بهم ويقرأ في كل ركعة عشرين آية إلَى أن يختم القرآن، وكان يقرأ في السحَر ما بين النصف إلَى الثلث، وكان يختم كل يوم ختمة عند الإفطار". [النكت على صحيح البخاري]
هكذا يكون رمضان شهرَ القرآن حقًا: صيامٌ يُهذِّب الجسد، وقرآنٌ يُحيي القلب، وعبوديةٌ متكاملة تصنع الإنسان الذي أراده الله: نقيًّا في سرّه، مستقيمًا في علانيته، قريبًا من ربّه، بعيدًا عن الغفلة والحرمان.
استقبال رمضان بنظافة البواطن والظواهر والشوارع والمساجد:
إن رمضانَ شهرُ الطهارةِ الشاملة؛ طهارةٍ تعانق الظاهرَ والباطن، وتسمو بالجسدِ والروح معًا، فيه يتخفّف العبدُ من أوزار الذنوب، ويغتسل قلبُه من غفلاتِ الأيام، فتُفتَح له أبوابُ التوبة، وتتنزّل عليه نفحاتُ المغفرة، فيكتب له الفلاح، قال الله تعالى: ﴿وَتُوبُوۤا۟ إِلَى ٱللَّهِ جَمِیعًا أَیُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [النور: ].
وكما يحرص المسلم على نقاء السريرة، في هذا الشهر الفضيل، يحرص على نظافة الظاهر؛ فيُجَمِّل ملبسه، ويُطَهِّر جسدَه، وينظف موضع صلاته، ويتهيّأ للوقوف بين يدي ربّه طاهرًا ظاهرًا وباطنًا، مستحضرًا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَان» [رواه مسلم].
فكأنّ الطهارة في هذا الشهر ليست شرطًا لصحة العبادة فحسب، بل هي روحٌ تسري في تفاصيل الحياة. وهكذا يكون رمضان موسمَ تطهيرٍ شامل، تُغسَل فيه القلوبُ بنور الإيمان، وتُصان فيه الأجسادُ بنظافة العبادة، ليخرج المسلم منه أنقى سريرةً، وأصفى قلبًا، وأقربَ إلى الله ربّ العالمين.
إن رمضان يعلّم المسلم احترام الجسد، والاعتدال في الطعام، والحرص على النظافة الشخصية، لأن العبادة لا تنفصل عن الذوق العام ولا عن كرامة الإنسان.
ولا يكتمل هذا المعنى إلا بالانتقال إلى نظافة الشوارع والفضاءات العامة. فكيف يُرجى لقلوبٍ تدّعي الصفاء أن تُلقي الأذى في الطرقات؟ وقد جعل النبي ﷺ إماطة الأذى عن الطريق شعبة من شعب الإيمان. إن رمضان فرصة لترسيخ وعيٍ جماعي بأن نظافة الشارع عبادة، وحفظ البيئة أمانة، وأن الصائم الحق لا يلوّث مكانًا ولا يفسد مظهرًا.
أما المساجد، فهي بيوت الله، وأحقّ الأمكنة بالعناية والنظافة والجمال، فقد أُمرنا بتعظيمها حسًّا ومعنًى، قال تعالى: ﴿فِی بُیُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَیُذۡكَرَ فِیهَا ٱسۡمُهُۥ﴾ [النور: ٣٦]. ونظافتها ليست مسئولية القائمين عليها وحدهم، بل مسئولية كل مصلٍّ يعرف حرمة المكان وقدسيته.
هكذا يتجلّى رمضان مدرسةً للنظافة الشاملة: قلبٌ نقي، وجسدٌ مهذّب، وشارعٌ محترم، ومسجدٌ يليق بالوقوف بين يدي الله. ومن جمع هذه المعاني، فقد فهم رمضان كما أراده الله: تزكيةً للفرد، وإصلاحًا للمجتمع، وجمالًا ينعكس على الحياة كلّها
رمضان شهر الفرح والسرور:
رمضانُ شهرُ الفرحِ العام، والبهجةِ التي تتجاوز القلوب لتملأ البيوتَ والشوارع، فمع اقتراب هلاله، تتجلّى مظاهرُ السرور في استعداداتٍ جميلة اعتادها المسلمون تعبيرًا عن محبتهم لهذا الشهر الكريم وتعظيمهم لقدره، فتُزيَّن البيوت، وتُعلَّق الزينات، وتُضاء المصابيح والفوانيس، وكأن الأنوار الأرضية تستبشر بقدوم النور السماوي.
وتلبس الشوارع حلّةً جديدة، تتلألأ فيها الأضواء، وتنتشر فيها مظاهر الفرح، فتشيع أجواء الألفة، وتتعانق القلوب على محبة الخير والطاعة، هذه العادات ليست مجرد مظاهر خارجية، بل هي لغة فرح صادق، تعبِّر عن شوق النفوس لموسم الرحمة، واستعدادها لاستقبال شهرٍ تُفتَح فيه أبواب الجنان، وتتنزّل فيه البركات.
ولم لا يفرحون وهو شهر تفتح فيه أبواب الجنان وتغلق فيه أبواب النيران؛ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ أَظَلَّكُمْ شَهْرٌ عَظِيمٌ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، شَهْرٌ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، جَعَلَ اللَّهُ صِيَامَهُ فَرِيضَةً، وَقِيَامَ لَيْلِهِ تَطَوُّعًا، مَنْ تَقَرَّبَ فِيهِ بِخَصْلَةٍ مِنَ الْخَيْرِ، كَانَ كَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَمَنْ أَدَّى فِيهِ فَرِيضَةً كَانَ كَمَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَهُوَ شَهْرُ الصَّبْرِ، وَالصَّبْرُ ثَوَابُهُ الْجَنَّةُ، وَشَهْرُ الْمُوَاسَاةِ، وَشَهْرٌ يَزْدَادُ فِيهِ رِزْقُ الْمُؤْمِنِ، مَنْ فَطَّرَ فِيهِ صَائِمًا كَانَ مَغْفِرَةً لِذُنُوبِهِ وَعِتْقَ رَقَبَتِهِ مِنَ النَّارِ، وَكَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ» [رواه ابن خزيمة في "صحيحه"].
وقد أرشدنا سيدنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن ندعو الله حين رؤية الهلال؛ فعن طَلْحَةَ بْن عُبَيْد اللَّه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَأَى الْهِلالَ قَالَ:«اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْيُمْنِ وَالْإِيمَانِ، وَالسَّلامَةِ وَالْإِسْلامِ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ» [رواه أحمد].
وهكذا يتحوّل استقبال رمضان إلى احتفالٍ إيمانيٍّ راقٍ، يجمع بين جمال الظاهر وسموّ الباطن، فتُضاء البيوت بالمصابيح، وتُضاء القلوب بالإيمان، ليبدأ الشهر المبارك في أجواءٍ من السرور المشروع، والتعظيم الصادق لشعائر الله.
نداء الاستقامة:
روى الإمام الحاكم في المستدرك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ، وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجِنَانِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَنَادَى مُنَادٍ يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ» [ورواه أيضًا الترمذيُ وابنُ ماجه والنسائيُ].
وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان أول ليلةٍ من شهر رمضان صُفِّدت الشياطينُ ومَرَدَةُ الجن، وغُلِّقَت أبوابُ النارِ فلم يُفْتَح منها بابٌ، وفُتحت أبوابُ الجنَّةِ فلم يُغلق منها بابٌ، ويُنادي منادٍ: يا باغيَ الخيرِ أقبل، ويا باغيَ الشرِّ أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كلَّ ليلةٍ» [رواه أحمد وابن ماجه].
مضاعفة الأجر:
روى الإمام أحمد في مسنده عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أنَّ رَجُلَيْنِ من بَلِيٍّ قَدِما على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وكان إسلامُهما جَميعًا، وكان أحَدُهما أشَدَّ اجتِهادًا مِن صاحِبِه، فغَزا المُجتَهِدُ منهما، فاستُشهِدَ، ثم مَكَثَ الآخَرُ بَعدَه سَنةً، ثم تُوُفِّيَ، قال طَلحةُ: فرأيتُ فيما يَرى النَّائِمُ كأنِّي عِندَ بابِ الجَنَّةِ إذا أنا بهما وقد خرَجَ خارِجٌ مِنَ الجَنَّةِ، فأذِنَ للذي تُوُفِّيَ الآخِرَ منهما، ثم خَرَجَ فأذِنَ للذي استُشهِدَ، ثم رَجَعا إليَّ فقالا لي: ارجِعْ؛ فإنَّه لم يَأْنِ لكَ بَعدُ، فأصبَحَ طَلحةُ يُحدِّثُ به الناسَ، فعَجِبوا لذلك، فبلَغَ ذلك رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال: «مِن أيِّ ذلك تَعجَبونَ؟ قالوا: يا رَسولَ اللهِ، هذا كان أشَدَّ اجتِهادًا، ثم استُشهِدَ في سَبيلِ اللهِ، ودخَلَ هذا الجَنَّةَ قَبلَه. فقال: أليس قد مَكَثَ هذا بَعدَه سَنةً؟ قالوا: بلى، وأدرَكَ رَمَضانَ فصامَه؟ قالوا: بلى، وصلَّى كذا وكذا سَجدةً في السَّنةِ؟ قالوا: بلى، قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: فلَمَا بَينَهما أبعَدُ ما بَينَ السَّماءِ والأرضِ» [رواه أحمد].
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: لِامْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهَا أُمُّ سِنَانٍ «مَا مَنَعَكِ أَنْ تَكُونِي حَجَجْتِ مَعَنَا؟» قَالَتْ: نَاضِحَانِ كَانَا لِأَبِي فُلَانٍ - زَوْجِهَا - حَجَّ هُوَ وَابْنُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَكَانَ الْآخَرُ يَسْقِي عَلَيْهِ غُلَامُنَا، قَالَ: «فَعُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً أَوْ حَجَّةً مَعِي». الناضِحان: مثنى ناضح، وهو البعير الذي يُستقى عليه.
قال شيخ الإسلام ابن حجر: "فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ أَعْلَمَهَا أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ الْحَجَّةَ فِي الثَّوَابِ لَا أَنَّهَا تَقُومُ مَقَامَهَا فِي إسْقَاطِ الْفَرْضِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الِاعْتِمَارَ لَا يُجْزِئُ عَنْ حَجِّ الْفَرْضِ وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ نَظِيرُ مَا جَاءَ أَنَّ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ وَقَالَ بن الْعَرَبِيِّ حَدِيثُ الْعُمْرَةِ هَذَا صَحِيحٌ وَهُوَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةٌ فَقَدْ أَدْرَكَتِ الْعُمْرَةُ مَنْزِلَةَ الْحَج بانضمام رَمَضَان إِلَيْهَا وَقَالَ بن الْجَوْزِيِّ فِيهِ أَنَّ ثَوَابَ الْعَمَلِ يَزِيدُ بِزِيَادَةِ شرف الْوَقْت" (فتح الباري لابن حجر).
الخطبة الثانية
شهرُ رمضانَ وكثرة الاستهلاك:
من العاداتِ الخاطئة، والمفاهيمِ المغلوطة التي تسلّلت إلى بعض مجتمعاتِنا، ما نراه من إسرافٍ في المأكول والمشروب، والاستعداد لاستقبال هذا الشهر الفضيل بمزيدٍ من الطعام والشراب، وكأنّ رمضان موسمُ امتلاءٍ لا موسمُ تزكية، وهذا السلوك في حقيقته يتنافى مع جوهر الصيام، ويُفرغه من مقصده التربوي العميق.
فقد شُرع الصيام لكبح الشهوات لا لإثارتها، ولتعويد النفس على القناعة لا على التوسّع والإفراط، وما أُريد لرمضان أن يكون شهر موائد عامرة بقدر ما أُريد له أن يكون شهر قلوب عامرة بالإيمان، فحين تُستبدل روح الصيام بثقافة الاستهلاك، يضعف أثر العبادة، وتغيب الحكمة من تشريعها.
مظاهر كثرة الاستهلاك:
من جملة تلك المظاهر: إعداد موائد عامرة بأصناف كثيرة لا حاجة لها، شراء كميات كبيرة من الطعام والحلويات قبل بدء الشهر، ربما تفسد أو لا ينتفع بها، والإفراط في المشروبات والعصائر والحلويات بعد الإفطار، إهدار الفائض أو تركه يفسد.
الإسرافُ يضادُّ عبادةَ الصيام:
جعل اللهُ تعالى شهرَ رمضانَ مدرسةً للتقوى، وميدانًا لتزكية النفوس، ووسيلةً عملية لكبح الشهوات وتهذيب الرغبات. فالصيامُ عبادةٌ قائمة على الامتناع، والتقليل، وضبط النفس، بينما الإسرافُ سلوكٌ قائم على الإفراط، والتوسّع، وإطلاق الشهوة؛ ومن هنا كان الإسرافُ على الضدّ من حقيقة الصيام ومقصده.
فالصائم يُربَّى على الشعور بالجوع ليعرف قدر النعمة، ويتعلّم القناعة بعد طول الاعتياد على الامتلاء، فإذا به يفطر وقد امتلأت موائدُه بما لا يُحتاج إليه، فيضيع مقصدُ العبادة، وتُفرَّغ من معناها التربوي. وقد نهى الله تعالى عن الإسراف نهيًا صريحًا فقال: ﴿وَكُلُوا۟ وَٱشۡرَبُوا۟ وَلَا تُسۡرِفُوۤا۟ۚ إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِینَ﴾ [الأعراف: ٣١].
وبيّن النبي ﷺ أن الاعتدال في الطعام أصلٌ من أصول الاستقامة، فقال: «ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرًّا من بطنه، حسبُ ابن آدم لُقيماتٌ يُقِمْنَ صُلبه». [رواه ابن ماجه]
فكيف يستقيم الصيام مع موائد تُهدر فيها النعم، وتُستثار بها الشهوات؟!.
أثر الإسراف ونتيجته:
إن الإسراف في رمضان لا يقتصر أثره على إفساد السلوك الفردي، بل يمتدّ ليقسي القلوب، ويُضعف الشعور بالفقراء، ويُنافي روح الشكر التي من أجلها شُرع الصيام. فالصيام دعوة إلى الاقتصاد، والإسراف إعلان مخالفة لمقصوده.
ومن أدرك حقيقة الصيام، علم أن القليل مع البركة يكفي، وأن حفظ النعمة عبادة، وأن ترشيد الاستهلاك في رمضان صورة صادقة من صور التقوى. وبذلك يكون الصيام عبادةً حيّة، تُثمر صلاحًا في النفس، واستقامةً في السلوك، وبركةً في الرزق.
إجراءات عملية في ترشيد الاستهلاك وتجنب الإسراف:
- التزام تعاليم القرآن وآداب السنة من التزام القصد وتجنب الإسراف باعتبار ذلك عبادة.
- القصد إلى تحقيق معاني الصيام، من تهذيب النفس، وتحقيق معاني التقوى.
- استبدال ثقافة الإسراف بثقافة الاعتدال والجود بالفائض على من يستحقه.
- الاعتدال في الطعام والشراب حفاظا على الصحة العامة للجسد.

خطبة عن رمضان مكتوبة قصيرة
وعن خطبة عن رمضان مكتوبة قصيرة، وجهت الخطبة المختصرة رسالة واضحة: رمضان هو شهر الإرادة والجود والسلوك القويم، وهو فرصة لصقل النفس، وتجديد الطاقات الروحية، وتعزيز التواصل مع الله والخلق، والعمل على تطوير الذات والمجتمع من خلال الصيام والقيام وفعل الخير.

خطبة الجمعة عن استقبال شهر رمضان مكتوبة pdf
ويمكن الإطلاع على خطبة الجمعة عن استقبال شهر رمضان مكتوبة pdf، والتي تضمنت:
- التأكيد على الصيام كوسيلة لبناء الإرادة والكرم.
- ضرورة تحويل العبادة إلى طاقة بناء للإنسان والمجتمع.
- نصائح عملية للعبادة والجود والسلوك القويم.
- استشهادات من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة لدعم مضامين الخطبة.
- الخطبة متاحة للتنزيل لتسهيل عمل الخطباء في نقل الرسائل الروحية والاجتماعية للمصلين.
خطبة قدوم شهر رمضان المبارك
وعن خطبة قدوم شهر رمضان المبارك، فقد بدأت الخطبة بالثناء على الله تعالى لشرفه على المسلمين بشهر رمضان، مع التأكيد على أن الصيام يُعد ميقاتًا للتحكم بالنفس، وفرصة للتوبة، وزيادة العطاء.
ودعت الخطبة المسلمين إلى استقبال الشهر بقلب صادق ونية قوية لتطوير الذات والارتقاء بالروح، وكذلك اغتنام فرصة الشهر لتقديم الخير، وإدخال السرور على قلوب الآخرين، مع تذكير بأن ما يُنفقه الإنسان في سبيل الله يزيد البركة.
كما تضمنت الخطبة دعوة إلى تطبيق القيم الرمضانية في الحياة اليومية، بالتحكم في الغضب، وإظهار الرحمة، والابتعاد عن القبيح، ليكون الصائم نموذجًا للفضيلة والأخلاق الحسنة.
وأكدت الخطبة أن رمضان فرصة لتقوية المجتمع، وصيانة الأوطان، ونشر السلام، وأن الصائم الحقيقي هو من يحول عبادته إلى خدمة للآخرين، مستلهمًا من تعاليم النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس».




