من "أختااه توبي" إلى هدوء الوسطية.. كيف طرد أمناء الفتوى وعلماء الأوقاف خرافات التشدد؟
بنبرة حادة مليئة بالقسوة والوعيد، يصيح أحد الشيوخ المحسوبين على تيارات معينة على الشاشات بعبارة "أختاه توبي قبل فوات الأوان"، وبعد تغيير القناة يظهر شيخ آخر يتسم بالحدة والتحريم القاطع ويقول: "الاحتفال برمضان بتعليق الفوانيس بدعة".. يتداخل الصوتان المنفران مع صور باهتة لمنابر كانت مختطفة وخطاب ديني كان يُستخدم كأداة للترهيب والسيطرة الفكرية على العقول والقلوب.. فجأة، تلاشى هذا الضجيج المزعج ليحل محله هدوء وسكينة، لتنتقل الكاميرا إلى أمين فتوى بزي أزهري وقور، يتحدث بنبرة هادئة ومطمئنة، لتندحر كل الفتاوى الشاذة.
منذ 2014 حتى 2026، تغير المشهد الديني في مصر ليصبح للمؤسسات الدينية حضور أقوى في المجتمع ووسائل الإعلام، وتراجع حضور وجوه دينية لا تنتمي للأزهر والأوقاف ودار الإفتاء، وهي المؤسسات الثلاث الدينية الرسمية، كما ظهر ذلك على مستوى المحافظات والإقليم، أصبح الأزهر والأوقاف منتشران بشكل غير مسبوق بأنشطة وبرامج مقارنة بـ 10 أو 15 عامًا ماضية كان المواطنون مرتبطين بشيوخ ينتمون لتيارات دينية معينة.
لماذا اختفى شيوخ التيارات الإسلامية؟
من جهته قال مصطفى زهران الباحث المتخصص في شؤون التيارات الإسلامية لـ القاهرة 24، إن المراقب لصورة المشهد الديني والفضاء العام في مصر، يجد أن المؤسسة الدينية الرسمية، بتنوعاتها وتفرعاتها (الأزهر، الأوقاف، الفتوى)، بلغت في اللحظة الراهنة قمة عطائها وحضورها الفاعل والمؤثر، وارتقت ميادين بكرًا وفتحت منافذ جديدة، وهو ما لم يحدث قبل ذلك منذ سنوات طوال.
وتابع: واللافت أنها تحولت من فاعل نخبوي إلى حضور مجتمعي "شعبي" بارز، وفي ظني أن ذلك يرجع، بشكل كبير، إلى تحررها من قيود كثيرة كانت تعرقل حركتها في الماضي القريب، وبنهج ديني "وسطي" معتدل راعى التشكلات البنيوية لطبيعة المجتمع المصري وتدينه الشعبي أو التقليدي، الذي أثبت عدم استقامته مع نظائره، سواء أكانت جماعاتية أم حركية، ولا شك أن الأيديولوجية حينما تظلل المؤسسة الدينية -بصفة خاصة- تجعلها حكرا لها، فلا تستطيع أن تتحرر من سطوتها أو تسرع من خطوتها في التفاعل الإيجابي والسليم.
وأكمل: فيما حلت أصحاب الأسماء الأزهرية العلماءية والوعظية التي عايشت سنوات من العزلة والتهميش بديلًا عن نظرائهم السابقين من السلفيين والحركيين الذين تصدروا المشهد وفق ظرفية زمنية وسياقات سياسية حفزت وجودهم وأسهمت في أفولهم أيضًا، الاستدعاء الراهن لم يكن سياسيًا أو توظيفًا أيديولوجيًا بقدر ما هو شغفًا مجتمعيًا وعوزًا لضبط إيقاع الحالة الدينية والتدين الفردي دون الجموح إلى تمظهر لا يراعي طبيعة المجتمع أو تفسخ يهدم تصورات الدين فيه، والتشبث بنمط التدين الأزهري الراهن مرده الرئيس رفض كافة الأنماط الدينية المغايرة له وخاصة "الإسلام السياسي" وخطابه الجماعاتي "الضيق" ورغبة في خطاب الأمة وفضائه الرحب الفسيح..."

وأضاف: لم تصل المؤسسة الدينية المصرية الرسمية بتنويعاتها الثلاث (الأزهر، الأوقاف، الفتوى) من حيث الفعالية والتأثير والتمدد داخليًا وخارجيًا باللحظة الراهنة كما هي عليه الآن، واللافت هو حجم التفاعل والتعاطي والقبول، فيما يشبه بالحاضنة المجتمعية، في مشهد يرسم ملامح مرحلة جديدة في سياق العلاقة بين المؤسسة الدينية الرسمية ومجتمعاتها المحلية.
وأكد: ويدفع ذلك للتكهن بأن هذه الظاهرة الجديدة في الحالة المصرية قد تنسحب لجغرافيات أخرى عربية وإسلامية تباعًا، وهو مؤشر مهم على احتفاظ المكون المجتمعي في بيئاتنا العربية والإسلامية بالتدين الشعبي التقليدي، والنفور مما عداه من تمظهرات تمازج فيها السياسي والديني بشكل لم يراعِ حدود التلاقي ونقاط الاختلاف.
استعادة المساجد بعد اختطافها
من جهتها قالت مصادر مسؤولة بوزارة الأوقاف لـ القاهرة 24، إن التوسع الأفقي غير المسبوق الذي تشهده الوزارة وأنشطتها خلال السنوات العشر الماضية، في كافة المحافظات والأقاليم، حيث لم يعد الدور الدعوي محصورًا في المساجد الكبرى بالعاصمة.
وتابعت المصادر: سجلت وزارة الأوقاف تنفيذ أكثر من 17 ألف نشاط دعوي وتثقيفي متنوع خلال عام واحد فقط، شملت "المنبر الثابت" المشترك مع الأزهر، وبرامج التثقيف للطفل، والأسابيع الثقافية التي تجوب القرى والنجوع، وهذا التواجد الكثيف ساهم في إعادة ربط المواطن بالأئمة المعينين رسميًا والواعظات المعتمدات، والذين تم تدريبهم وتأهيلهم في أكاديمية الأزهر العالمية وأكاديمية الأوقاف، لتقديم خطاب ديني يفكك الأفكار المتطرفة ويعالج القضايا المعاصرة مثل بناء الإنسان وصناعة الحضارة والترابط الأسري.
وأكدت المصادر: أن الوزارة أعادت بيوت الله المساجد لمكانها الطبيعي بعد أن تم استغلالها في فترات سابقة كمراكز استقطاب وتجمع لتيارات سياسية ودينية بعينها، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، وتم الطريق أمام الوجوه غير المؤهلة أو تلك التي كانت تستخدم المنبر لبث رسائل تتجاوز حدود الوعظ الديني لتخدم مصالح تنظيمية ضيقة.
الفتاوى الشاذة كانت تسمم الجو العام بمصر
من جهتها تقول مصادر مسؤولة داخل دار الإفتاء المصرية، لـ القاهرة 24، إن ظهور أمناء الفتوى وأهل الفتوى في البرامج الدينية، وتخصيص بث مباشر على صفحة دار الإفتاء، ونشر فتاوى بشكل مستمر على صفحات الأزهر والمؤسسات الدينية في مصر، ساعد في دحرالفتاوى الشاذة التي كنا نسمعها في عقود ماضية وقت سيطرة الإخوان على الساحة الإعلامية والدينية بالبلاد.
وأكدت المصادر، أن الفتاوى الشاذة والمتطرفة كانت تسمم الفضاء العام خلال العقود الماضية، متابعة: النشر المستمر والممنهج للفتاوى التي تراعي فقه الواقع وتجمع بين الأصالة والمعاصرة، قد نجحت في تفكيك المقولات المتشددة التي كانت تُستخدم لتبرير العنف أو إحداث انقسام مجتمعي، واستبدلها بخطاب ديني مستنير يعلي من قيم الدولة الوطنية ويحترم التعددية، وهو ما أدى في النهاية إلى انحسار الفكر المنغلق وتراجع تأثير المنصات التي كانت تروج لتلك الفتاوى الشاذة.
إقبال المواطنين على الفتاوى من الجهات الرسمية خلال 2025
وفقًا لبيان رسمي صدر من دار الإفتاء أصدرت الدار في 2025 حوالي 960 ألف فتوى، توزعت بين فتوى شفوية أو عبر الخدمات الهاتفية والإنترنت وفروع الدار، علاوة على فتاوى وردت من خلال الخدمات البحثية والمكتوبة والجماهيرية.
وفيما يخص إدارة الفتوى الشفوية، كشف التقرير التفصيلي الصادر عن الدار لعام 2025 عن تلقي الدار خلال الفترة من 1 يناير 2025 حتى 20 ديسمبر 2025 عدد 116119 فتوى، جرى التعامل معها وَفْقَ الضوابط العلمية والمعتمدات الفقهية، مع تشكيل لجان داخلية متخصصة للنظر في القضايا الدقيقة، مثل: مسائل الطلاق والرضاع قبل إحالتها إلى اللجنة العليا للأحوال الشخصية، ومشكلات الميراث والمعاملات قبل عرضها على لجنة فض المنازعات.
وسجلت خدمات فتاوى الإنترنت خلال عام 2025 حوالي 383،494 فتوى، في حين استقبلت الدار 315048 فتوى هاتفية مباشرة، وبلغ عدد الفتاوى الهاتفية المسجلة 130،810 فتوى، إلى جانب 30942 فتوى استقبلتها فروع دار الإفتاء المختلفة في محافظات الإسكندرية ومرسى مطروح وطنطا وأسيوط.
وفيما يخص الفتاوى البحثية والمكتوبة والجماهيرية، بلغ إجماليها خلال 2025 حوالي 13،988 فتوى، تصدرتها فتاوى الأحوال الشخصية، تلتها فض النزاع، ثم الإرشاد الزواجي، ووحدة حوار، إلى جانب مجالات أخرى متنوعة.



