. مع توسع إسرائيل في غزوها لجنوب لبنان، يضطر الناس إلى دفن موتاهم في مقابر مؤقتة
مأساة إنسانية في جنوب لبنان تُجبر الأهالي على دفن موتاهم مرتين
أجبرت العمليات العسكرية المستمرة في جنوب لبنان العائلات اللبنانية على التخلي عن مراسم الدفن التقليدية، واللجوء إلى مقابرٍ مؤقتةٍ في مدينة صور، حيث يضطر الأهالي لدفن أحبائهم في صناديق خشبيةٍ بنيةٍ ونقلهم لاحقا إلى قراهم الأصلية، وسط مخاوف متزايدة من استمرار الاحتلال وتدمير المقابر المحلية، مما يضيف فصلا جديدا من المعاناة النفسية إلى قسوة الحرب الدائرة.

فقدان طقوس الوداع الأخير
في العادة يحظى الموتى في القرى والمدن اللبنانية بنظرة وداعٍ أخيرةٍ على مسقط رأسهم، حيث ترفع النعوش عاليًا فوق رؤوس المشيعين، وتسير ببطءٍ عبر الشوارع التي نشأوا فيها، وتقوم أيدي الأحباء بوضع الجثمان في مثواه الأخير ونثر التراب برفقٍ، ولكن الحرب العنيفة في جنوب لبنان سلبت الموتى وعائلاتهم فرصة هذا الوداع الأخير، ومع توسع الغارات الجوية والاجتياح البري اضطرت العائلات المكلومة إلى التخلي عن طقوس الدفن المتوارثة واللجوء إلى مقابرٍ جماعيةٍ مؤقتةٍ تقع في مناطق أبعد نحو الشمال، وتحديدًا في مدينة صور، هربًا من القصف المستمر للحفاظ على أرواح المشيعين.

رخصة الوديعة الشرعية
وفقًا لـ صحيفة الجارديان، تم حفر خنادق واسعة لاستيعاب أعداد الضحايا المتزايدة من جنوب لبنان في مدينة صور الساحلية، واقتصرت شواهد القبور على أرقام بسيطة كُتبت بطلاءٍ أحمر على ألواح خشبية رقيقة لتحديد هويات الموتى، وبقي ربيع قبيسي في المدينة للإشراف على عمليات الدفن رغم أوامر الإخلاء الإسرائيلية والقصف المتواصل، موضحًا أن الشريعة الإسلامية تمنع نبش القبور بعد الدفن، حيث يُغسل الجثمان ويٌكفَّن ويوضع في الأرض مباشرة ولكن في الظروف الاستثنائية للحروب يتم اللجوء إلى رخصة شرعية تسمى الوديعة حيث يوضع الجثمان داخل تابوت خشبي ليكون بمثابة أمانة مؤقتة تمهيدًا لنقله لاحقًا دون المساس بحرمة الميت عند عودته إلى قريته الأصلية في جنوب لبنان.
وحشية الحرب وألم الفقد المضاعف
وفقًا لـ تقرير The Guardian، أكد المشرفون أن وحشية الحرب عطلت كل خطوة من خطوات الدفن الطبيعية وأصبح من المستحيل في بعض الأحيان غسل جثامين الضحايا، حيث تتلقى اللجان المختصة أشلاء متناثرة يتم جمعها ووضعها في أكياس مخصصة قبل إدخالها إلى التوابيت، ورغم أن هذه الدفنات المؤقتة تمنح العائلات بعض الطمأنينة إلا أنها تظل مصدرًا لألمٍ نفسي عميق، حيث تُجبَر العائلات على عيش مرارة الفقد وتجربة دفن أحبائهم مرتين، وتزداد مخاوف أهالي جنوب لبنان من ضياع فرصة إعادة الجثامين إلى مسقط رأسهم خاصة مع تصريحات المسؤولين الإسرائيليين باحتلال المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني لأجَلٍ غير مُسمَّى، مما يعقد من عملية استعادة الرفات.

دمار المقابر وغياب الزائرين
الجدير بالذكر، أنه حتى في حال انسحاب القوات العسكرية، يخشى الأهالي مما ينتظرهم عند العودة إلى قُراهم المدمرة، ويوضح تقرير الجارديان أن هناك تجربة سابقة بعد انتهاء حرب نوفمبر 2024 السابقة، سارع أهالي قرية الضهيرة الحدودية لإعادة دفن ضحاياهم الذين دفنوا مؤقتًا في مدينة صور، ولكنهم صُدِمُوا بدمار مقبرة القرية ومسجدها بالكامل إثر تجريفها بواسطة الجرافات الإسرائيلية، واليوم تنتظر الجثامين في مقابر صور المؤقتة وسط غياب شبه تام للزوار الذين فروا من القصف، بينما يعيش المشرفون على الدفن معاناة يومية صامتة حين تسألهم العائلات عن هيئة أبنائهم قبل الدفن فيضطرون لإخفاء الحقيقة القاسية والمروعة عن العيون الباكية للتخفيف من وطأة الصدمة والمأساة المروعة.




