هل يجوز الترحم على المنتحر؟.. آراء علماء الدين في حكم الانتحار وتكفير المنتحرين
يتساءل الكثير من المسلمين هل يجوز الترحم على المنتحر؟ وذلك في ظل انتشار حوادث الانتحار، وهو من موبقات الذنوب، ولكن لجمهور أهل العلم رأيًا في الحكم على المنتحر، وهل يجوز الترحم عليه أم لا؟، وهل يخلد المنتحر في النار أم يدخل الجنة برحمة الله؟ وغيرها من أمور تدور في أذهان أهل المنتحرين، بل وأذهان جميع المسلمين، ونوضح لكم إجاباتها في السطور المقبلة وفقا لرأي دار الإفتاء المصرية، ومركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية.
هل يجوز الترحم على المنتحر؟
أوضح الإمام ابن باز إجابة سؤال هل يجوز الترحم على المنتحر؟ مؤكدا أن الانتحار كبيرة من الكبائر، ولكن ذلك لا يمنع من الترحم على المنتحر والصلاة عليه والدعاء له بالعفو والمغفرة والتصدق عنه، لأن المنتحر مسلم وليس بكافر، إلا أنه لا يصلي الأمير أو السلطان أو العالم على المنتحر، حتى لا يكون في ذلك تعزيزا له.
ومن جانبه أكد الشيخ عزيز بن فرحان العنزي، الداعية الإسلامي السعودي، أنه يجوز الترحم على المنتحر المسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، بل ولا يجوز إخراجه من الإسلام لأن ذلك ذنب من الذنوب، ولكن وفي المقابل لا يجوز الترحم على المنتحر المرتد عن الإسلام أو الذي كان يسب الله ورسوله ومات على ذلك، فلا يجوز الترحم عليه ولا الاستغفار له.
وأضاف العنزي خلال إجابته على سؤال هل يجوز الترحم على المنتحر؟ في إحدى حلقات برنامج فتاوى المذاع عبر فضائية الشارقة، أن المنتحر الذي كان يعاني من الاكتئاب والإحباط والمشاكل النفسية، والذي استعجل العذاب بانتحاره، نعم يجوز الترحم عليه والدعاء له بالمغفرة.
حكم المنتحر دار الإفتاء
وأوضحت دار الإفتاء المصرية في منشور سابق لها على صفحتها الرسمي بموقع فيس بوك، حكم المنتحر، مؤكدة أن الانتحار حرام شرعًا، وهو من كبائر الذنوب؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، وقول النبي ﷺ: «ومن قتل نفسه بشيء عُذِّبَ به يوم القيامة».
وأضافت الدار في منشورها، ومع كون المنتحر مرتكبًا لكبيرة إلا أنه لا يجوز وصفه بالكفر والخروج عن الملَّة، بل يُغسَّل ويُكفَّن ويُصلَّى عليه ويدفن في مقابر المسلمين؛ ويُدعى له بالرحمة والمغفرة، ومع ذلك لا ينبغي التقليل من إثم هذا الجرم العظيم، ولا خلق مبررات له، ويجب على مَن شعر بمقدماته كمريض الاكتئاب أن يسارع إلى اللجوء للأطباء المختصين لمساعدته على العلاج وتجاوز أزمة المرض.

حكم المنتحر الأزهر للفتوى الإلكترونية
ونشر مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية منشورا على صفحته الرسمية بموقع فيس بوك، مؤكدا أن طلب الراحة في الانتحار وهم، وهو كبيرة من كبائر الذنوب، والمؤمن الحق يعلم حقيقة الابتلاء الذي قد يحمل الشَّر من وجه، ويحمل الخير من وجوه، وأن الدنيا دار اختبار ومكابدة، وأن الآخرة هي دار الجزاء والمستقر.
وأضاف الأزهر للفتوى الإلكترونية، أن الإسلام جعل حفظ النفس مقصدًا من أَولى وأعلى مقاصده حتى أباح للإنسان مواقعة المحرم في حال الاضطرار؛ ليُبقي على حياته ويحفظها من الهلاك، وقد جاء الإسلام بذلك موافقًا للفطرة البشرية السّوية، ومؤيدًا لها، ولذا كان من العجيب أن يُخالِف الإنسان فطرته، وينهي حياته بيده؛ ظنًا منه أنه يُنهي بذلك آلامه ومُشكلاته.
وتابع: والتخلص من الحياة بإزهاق الروح التي هي ملكٌ لله سبحانه جريمةٌ لا مبرر لها على الإطلاق، قال الله تعالى: {...وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ...} [هود: 101]، واعتداءٌ على خلق الله، واستعجال ما قَدّر، لذلك توعد اللهُ سبحانه وتعالى المُنتحر بالعقاب الأليم، فقال تعالى: {...وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا. وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا. إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا}. [النساء: 29 -31]
وقال رسول الله ﷺ: «كانَ فِيمَن كانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ به جُرْحٌ، فَجَزِعَ، فأخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بهَا يَدَهُ، فَما رَقَأَ الدَّمُ حَتَّىٰ مَاتَ، قالَ اللهُ تَعَالَى: بَادَرَنِي عَبْدِي بنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عليه الجَنَّةَ». [أخرجه البخاري].
هل المنتحر كافر
وأوضح العلماء إجابة سؤال هل المنتحر كافر؟ مؤكدين أن ارتكاب المسلم للانتحار أو غيرها من الذنوب ما عدا الشرك بالله تعالى وموته عليها من غير توبة لا يخرجه عن ملة الإسلام، بل يظل تحت مشيئة الله يُرجى له الرحمة والمغفرة، فإن شاء غفر له ولم يعذبه وإن شاء عاقبه، لذا فلا مانع من الترحم والاستغفار للمنتحر، واستدلوا في قولهم هذا بما ثبت في صحيح مسلم من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم للمنتحر الذي قطع يده حتى مات وكان مهاجرا فرؤي في النوم ممسكا بيده تلك وقال: إن الله غفر له إلا موضع يده؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم وليديه فاغفر.
ولتوضيح المزيد من إجابة هل يجوز الترحم على المنتحر؟ يرى جمهور الفقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية أن المنتحر يُصلى عليه؛ لأنه لم يخرج عن الإسلام بسبب قتله نفسه، ولما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "صلوا على من قال: لا إله إلا الله"، ولأن الغسل والصلاة متلازمان عند المالكية، فكل من وجب غسله وجبت الصلاة عليه، وكل من لم يجب غسله لا تجب الصلاة عليه، وبالتالي يجوز الترحم والاستغفار للمنتحر وعدم وصفه بالكافر، بل وتعزية أهل المنتحر.






