أول حوار صحفي لخبيرة يابانية.. أكيموتو: السيسي مهتم بالتعليم والطلاب المصريين مُبهرين وعلموني كتير
في قلب تجربة تعليمية تحاول أن تعيد تعريف معنى المدرسة، لا كمساحة لتلقي الدروس فقط، بل كبيئة لصناعة الإنسان، يظهر صوت مختلف، صوت قادم من ثقافة بعيدة جغرافيًا، لكنها تقترب إنسانيًا أكثر مما نتخيل.
للمرة الأولى منذ انطلاق تجربة المدارس المصرية اليابانية، تخرج أبرز الخبيرات اليابانيات للحديث بشكل مباشر عن كواليس التجربة من الداخل، بعد مشاركتها في لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي مع الخبراء الداعمين للمشروع، حديث لا يكتفي بشرح ما يحدث داخل الفصول، بل يكشف كيف يمكن أن تتغير مفاهيم مثل النجاح والالتزام والتعبير عن المشاعر، وتجربتها الشخصية بين ثقافتين مختلفتين.
أكيموتو ميساتو لا تتحدث فقط كخبيرة تعليم، بل كإنسانة خاضت تجربة شخصية عميقة؛ جاءت من بيئة “الدقيقة فيها محسوبة”، لتجد نفسها في مجتمع أكثر “رحمة بالوقت”، كما تصفه، تجربة جعلتها تعيد تعريف النجاح نفسه، ليصبح مزيجًا بين الصرامة اليابانية والروح المصرية، وهو ما تحدثت عنه خلال هذا الحوار الشامل، والذي تروي فيه عن كيفية نقل فلسفة تعليمية دون فرض؟، ولماذا ترى أن “لغة العيون” قد تكون أصدق من الكلمات؟ وكيف علّمها الأطفال المصريون “شجاعة البوح”؟.

حدثينا عن تجربتك في الانتقال لمصر وكيف انعكست التجربة على مفهومك للنجاح؟
كنت في بيئة صارمة وقوية جدًا مثل عقارب الساعة، وفعلا جيت هنا لتجربة أكثر رحمة وأكثر إنسانية، قد يكون بالنسبة ليا مفهوم الوقت والالتزام بيه والإحساس بالضغط اللي مرتبط بالوقت والدقيقة بقى أقل وأكثر رحمة في التجربة "الرحيمة" بمصر، وكمان بالنسبة لمفهوم النجاح عندي، بقى مكوّن من المفهوم المصري والياباني، الاتنين اتحدوا مع بعض وادوني مفهوم نجاح جديد.
بين ثقافتين.. خبيرة يابانية تروي كيف تغيّرت داخل المدارس المصرية
في بداية تجربتك داخل المدارس المصرية اليابانية تحدثتِ عن أن اللغة كانت أحد أكبر التحديات لكنكِ اكتشفتي لغة جديدة.. إلى أي مدى يمكن أن يتجاوز التواصل الإنساني حاجز اللغة وهل هناك مواقف أثبتت لكِ ذلك؟
كانت فعلا اللغة أكبر تحدي ليا، واللغة العربية رغم حبي الكبير ليها، بس هي صعبة جدًا جدًا، وعشان كده كنت قلقانة شوية منها أول ما عرفت إني جاية مصر، لكن بعد كده اكتشفت لغة جيدة وأنسب للتواصل مع الطلاب وهي "لغة القلوب".
واكتشفت أن الكلمات ممكن تكذب، لكن العيون بالنسبة لي حاجة مش بتكذب أبدًا، عشان كده لما ببص في عيونهم وأبصلهم، بيبتسموا وبيعبروا عن حبهم، بالتالي بكون قادرة أتواصل معاهم.
كان لكي زيارة لمكتبة الإسكندرية ولفت نظركِ تفاعل الطلاب وجرأتهم في طرح الأسئلة بشكل كبير.. كيف ترين هذه الجرأة تربويًا وهل تحتاج إلى توجيه داخل العملية التعليمية أم أنها عنصر يجب تعزيزه؟
الحقيقة إني انبهرت بالطلاب المصريين والأطفال اللي شوفتهم في مكتبة الإسكندرية، وتفاجأت بالجرأة، وهي تعتبر أساس التعليم، لأن الأولاد عندهم الجرأة إنهم يسمعوا المحتوى ويقدروا يجمعوا أسئلة عليه، وبتمنى إن العملية التعليمية تخلي الأولاد يسألوا ويبقى عندهم فضول، وتوفر ليهم إجابات عن كل تساؤلاتهم.
ذكرتي أن الأطفال المصريين علموكِ "شجاعة البوح والتعبير".. هل كان هذا التحول سهلًا بالنسبة لكِ وكيف تعاملتِ معه على المستوى الشخصي؟
شجاعة البوح بالنسبة لي هي تحدي حتى الآن، وكان تحدي إني أقعد وأعمل الحوار ده صعب جدًا، لكني قاعدة وبتكلم معاك، وده دليل إني تعملت منهم، وساعدني في ده إن جو مصر دافئ والسماء الصافية يمكن بيخلوا الواحد يتحدى المخاوف اللي عنده.

التحدي عندي كان البوح بالمشاعر، وده بدأ من أول لقاء مع المترجمين، لأن كان فيه اختلاف ثقافة وشخصيات، وتعلمت إن لازم أوصل مشاعري بشكل كويس، وده من تعاملي اليومي مع الأطفال.
بين الثقافة اليابانية التي تميل إلى التحفظ والكتمان والمصرية الأقرب للتعبير المباشر.. كيف استطعتِ تحقيق توازن بينهما؟
الثقافتين مهمين، لهم إيجابيات وسلبيات، وكل واحدة فيهم ليها وجهة نظر مميزة، يعني نقدر إننا نوازن ما بين الاتنين، أو نوصل لنقطة تفاهم بين الثقافتين، لأن فيه مواقف لو التزمنا الكتمان فيه بيكون صعب، وكذلك العكس التعبير المفرط في أوقات بيكون غلط.
إذا عدنا إلى هؤلاء الطلاب بعد 20 عامًا من الآن.. كيف تتمنين أن يكونوا وما الذي تأملين أن يبقى في شخصيتهم من هذه التجربة؟
أنا منبهرة من شجاعتهم، وأتمنى أن يتبقى معاهم الصفات القيادية، ويقدروا يستخدموها في المستقبل، وكثير منهم هيبقوا أمهات في المستقبل ويستخدموا ده في حياتهم.
رغم أن دورك لا يشمل التدريس المباشر إلا أنكِ جزء من المنظومة التعليمية.. كيف ترين تأثيرك داخل المدرسة؟
دوري مش بيلمس التدريس بشكل مباشر، لكنه بيلمس المعلم، وشغلي أكتر مع المعلم، بالتالي العملية التعليمية بتكون ممتازة.
من خلال متابعتك اليومية داخل الفصول.. كيف تصفين شخصية الطالب المصري وتفاعله داخل العملية التعليمية؟
تكلمت قبل كده عن تفاعل الطلاب أنهم دايمًا بيرفعوا إيديهم للمشاركة، وعندهم حب الظهور، وشخصيتهم متفاعلة وليهم حضور، هما فعلا مشاريع قادة ناجحين.
ما المعايير التي تعتمدين عليها في متابعة أداء المعلم داخل الفصل ضمن التجربة اليابانية في مصر؟
دورنا كخبراء لا يتضمن أننا نضع درجات للمعلمين، إحنا داعمين ليهم، لكن لو بشكل عام، بنشوف أداء المعلم والحصة كانت ماشية إزاي، وهل الأولاد كان عندهم جزء يفكروا فيه، وهل مهتمين بالحصة، دي أساسيات بنهتم بها.

خلالتجربة تجمع بين ثقافتين مختلفتين في التعليم.. ما أبرز التحديات التي واجهتك بالعمل داخل المدارس المصرية اليابانية؟
لم أجد مشكلة في التواصل مع المعلمين، بالعكس عندهم تعطش للمعرفة وعايزين يطوروا نفسهم، وأنا شايفة إنه مهم جدًا تحسين الأوضاع الاجتماعية لهم وزيادة أجورهم، لكن التحدي الأكبر كان تقبل بعض أولياء الأمور للنظام، خاصة أن اليوم الدراسي أطول.
تعتمد التجربة اليابانية على أنشطة التوكاتسو التي تركز على بناء شخصية الطالب.. كيف يتم تطبيق هذا المفهوم داخل المدارس المصرية؟
التوكاتسو مش مادة أكاديمية فيها درجات، لكنها بتركز على الجوانب الشخصية وتحمل المسؤولية، والنتائج مش بتظهر بسرعة، لكنها تتكون مع الوقت من خلال التفاعل، وبنصح المعلمين يستخدموا القيادة بالتبادل بين الطلاب، وأنا شايفة كده.
كنتِ ضمن الخبراء المشاركين في لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي.. كيف انعكس هذا اللقاء عليكِ مهنيًا وشخصيًا؟
الرئيس السيسي شخصية رائعة ومهتم بالتعليم وعناصر العملية التعليمية من طلاب ومعملين وغيرهم، والرئيس أكد بنفسه على أهمية مشروع المدارس المصرية اليابانية، وده خلاني أحس بثقل المسؤولية، وإننا كخبراء بنساهم في مستقبل مصر، وخلاني عايزة أبذل مجهود أكبر، وشعرت بامتنان كبير ليه.
من واقع عملك داخل المدارس.. هل ساعدك الدعم الحكومي في تطوير التجربة واستمرارها؟
الدعم الحكومي مهم جدًا، وعندنا دعم كبير من القيادة السياسية والوزارة، وفيه اهتمام بشكل كبير وشخصي من الرئيس عبد الفتاح السيسي بالتجربة، وده بيساعدنا نشتغل بشكل أفضل.
بعد هذه السنوات من العمل داخل المدارس المصرية اليابانية.. هل ترين أنكِ فقط نقلتِ الثقافة اليابانية أم أن التجربة أثرت أيضًا فيكِ؟
أنا بقيت نص مصرية، وتعلمت صفات كتير، أهمها إني أعبر عن مشاعري بشكل أكبر، وأعرف لغة القلوب والمشاعر.
بعيدًا عن العمل داخل المدارس.. كيف كانت تجربتك الشخصية مع الحياة في مصر من حيث الطعام والأماكن والثقافة اليومية؟

طبعًا بحب الأجواء المصرية، بحب المسقعة، وجربت أكلات كتير ومناسبة ليا، لكن مش بحب الأكل الحراق، رغم إني يابانية.
كمان بحب أذهب إلى الإسكندرية والغردقة، وعشت سنتين في الإسكندرية، وحضرت حفل في دار الأوبرا وانبهرت بالموسيقى الكلاسيكية.
ومصر بالنسبة لي بلد جميلة وسهلة المعيشة، فيها خضار وفاكهة طازجة، لكن طقسها حار بعض الشيء.
هل رأيتي المتحف المصري الكبير؟
زورت المتحف المصري الكبير وأعجبت جدًا بالتجربة، وكان فيه عدد قليل من المصريين وقتها، ولكنه كان مليء بالأجانب وزحمة جدًا، وأنا لما بكلم حد من اليابان بنصحه بزيارة المتحف الكبير.
هل يمكن تلخيص رحلتك داخل المدارس المصرية في جملة؟
الموضوع صعب، لكن الشعب ده استثنائي والطلاب مبهرين، وحبيب الأطفال المصريين، وتعلمت منهم، وغيروا طريقة تفكير حياتي، وأدركت أن التعليم ليس فقط ما يُقال داخل الفصل، بل ما يجرؤ الطالب على إظهاره من نفسه.


