واقعة المهندس والوزير
أثارت واقعة المهندس وحديثه أمام الفريق كامل الوزير موجة واسعة من الجدل ليس بسبب جوهر المشروع أو مضمونه بل بسبب الطريقة التي التُقط بها المشهد ثم أُعيد تقديمه عبر منصات التواصل الاجتماعي وكأنه معركة إذلال أو استعراض سلطة!! والحقيقة أن كثيرًا مما يُتداول اليوم لا يعكس الواقع بقدر ما يعكس شهية السوشيال ميديا الدائمة للضجيج والاقتطاع والتأويل وبالتالي إصدار أحكام ظالمة..
من الإنصاف أولًا أن نقول إن الوزير كامل الوزير عُرف خلال سنوات عمله بأنه رجل ميدان صارم، يحمل عقلية المؤسسة والانضباط العسكري ويطالب دائمًا بالدقة والجاهزية الكاملة؛ قد يختلف البعض مع أسلوبه أحيانًا لكن لا يمكن إنكار أنه يتحرك وسط ملفات ضخمة وضغوط هائلة وأنه اعتاد التعامل المباشر والحازم مع فرق العمل؛ وما حدث مع المهندس لا يبدو، في جوهره، إلا موقفًا إداريًا انفعاليًا جرى تضخيمه بصورة مبالغ فيها.
لكن في المقابل فإن اللوم الحقيقي يجب أن يتجه إلى من اختار هذا المهندس تحديدًا لتقديم الشرح في هذا التوقيت الحساس وأمام هذا الحضور الكبير. فمن الواضح أن الرجل كان متوترًا، مرتبكًا غير قادر على ترتيب أفكاره أو السيطرة على انفعاله؛ والظهور في مثل هذه المواقف يحتاج إلى شخصية هادئة متمكنة قادرة على امتصاص الضغط والتحدث بثقة وثبات وليس كل مهندس ناجح في موقعه الميداني يصلح بالضرورة للعرض الإعلامي أو الشرح أمام القيادات خاصة وان كان الشرح أمام كاميرات الإعلام والصحافة..
أما المهندس نفسه، فلا ينبغي أن يتحول إلى مادة للسخرية والتنمر. بل لعل ما حدث يكون درسًا مهمًا له؛ أن الثقة بالنفس جزء من الكفاءة وأن المسؤول الحقيقي لا يهاب أحدًا ما دام مستعدًا ومُلمًا بعمله. الاتزان وقت الضغط مهارة تُكتسب والخبرة تُبنى بالمواقف الصعبة لا بالهروب منها.
المؤسف حقًا هو الطريقة التي تعاملت بها بعض صفحات السوشيال ميديا، ومعها اللجان الإلكترونية التابعة لجماعة الإخوان المسلمين مع الواقعة فقد جرى اجتزاء اللقطات وشحن الجمهور عاطفيًا وتحويل موقف عابر إلى قضية رأي عام!! فقط من أجل إثارة الغضب وحصد المشاهدات؛ وهنا تظهر خطورة الإعلام غير المهني الذي يتغذى على التهييج لا على الفهم.
في النهاية، الوزير لم يخطئ والمهندس شخص يستحق استغلاله لتصفية حسابات مع الوزير، فالأوطان لا تُدار بمقاطع مبتورة ولا تُبنى بالشماتة والتصيد، بل بالعقل والعدل والوعي والتنمية بلا ضجيج..


