الجمعة 05 يونيو 2026
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات
محافظات

الست وأوجه القمر

السبت 30/مايو/2026 - 04:42 م

من بين كل محاولات تقديم السير الذاتية هناك مرات قليلة نادرة هي التي ينجح فيها فنان في "اختطاف" الشخصية الحقيقية ومصادرتها لصالحه، ويغلق الباب تمامًا في وجه كل من يحاول إعادة تمثيل الشخصية. فمع كل محاولة جديدة من فنان آخر يجد المحاوِل نفسه في مواجهة قويّة مع المختطِف الأول وليس الشخصية الحقيقية نفسها، كما حدث مثلا مع أحمد زكي في "أيام السادات". أصبحنا نسمع الجمل الحوارية للسادات بصوت أحمد زكي وأداءه، ولم يقترب أحدٌ من السادات شكلًا وجوهرًا كما فعل زكي. 

حين أُعلن عن إنتاج فيلم سينمائي جديد عن السيّدة أم كلثوم تحسستُ مسدسي وقفزت لذهني محاولات بعينها لإعادة تقديم شخصية أم كلثوم في أعمال فنية مختلفة بعد المرة الوحيدة الناجحة -من وجهة نظري- التي قدّمتها الفنانة صابرين في مسلسل تليفزيوني. لم ينجُ خيالي من المقارنات بين صابرين وبين كل فنانة أخرى حاولت الاقتراب من الشخصية. ثم حدث ما لم أتوقعه حقيقة.

شاهدت الفيلم كاملًا 3 مرات في 3 أيام متتالية دون لحظة ملل أو شرود واحدة، بل وبكامل التأثُّر والانتباه في كل مرّة في نفس المقاطع وانتهاء بنفس الدموع في مشهد الجنازة. إشكالية الفيلم في رأيي تكمن في أنه لم يقدّم "الستّ" التي توقّعها المشاهد؛ لا الحياة الصاخبة الثريّة كاملة، ولا التماسّ مع الحياة السياسية بكل حراكها آنذاك، ولا المعارك الفنيّة الممتدّة، هذه ليست الستّ التي نعرفها وهذا مكمن الجمال الذي رأيته واستخلصته.

الفيلم الذي شاهدته معني بالأساس بقيمة النجاة، قيمة المرور والعبور فوق الجميع كعَتَبات تعتليها بعد كل أزمة وانكسار. وعلى هذه الرؤية كان اختيار مشهد سقوطها في حفل باريس كبداية وتجزئته بامتداد الفيلم على الأحداث كاملة كمونتاج متقاطع اختيارًا موفّقًا. هذه هي القيمة الفلسفية وراء نجاح أم كلثوم وهذا هو ما جعلها "الستّ": ليس عدم السقوط، بل القيام بعد كل سقوط وعبارة ترددها بينها وبين نفسها قبل أن تقولها لمن حولها: "أنا كويسة.. هنكمل يا أساتذة".

مشاهد مؤثرة للغاية التي صنعها مروان حامد بتكرار ظهورها على المسرح والغناء بتألُّق كاسح بعد كل انهزام / انكسار/ خذلان، تألُّق ينفي الوجود بكامله من حولها بحيث لا يبقى غيرها وصوتها. ربما يكون من الصادم أن نرى وجهًا آخر لهذه المعشوقة التي لا نسمع منها إلا الرقّة الحُب والوله والهيام، من الصادم أن نتخيّلها تقول لأبيها "آخر مرة تمدّ إيدك عليّ" أو أن تضع صورة كبيرة لنفسها وصورة صغيرة بحجم كفّ اليد لعائلتها، أو أن تكون حازِمة لدرجة القسوة أحيانًا. لكنني أؤمن بأن للقوّة جسدٌ واحد ووجوه عِدَّة، بعضها مظلم تمامًا كالوجه الخلفي للقمر. لكننا نتحاشى أن نمدّ الخطوط على استقامتها كي لا نصطدم بالحقائق، فنُفَضِّل التغاضي والاحتفاظ بالصورة الرومانسية المتخيَّلة دون الاعتراف بأن لكل نجاح قوّة غاشمة تحميه. ولمّا كانت المرأة في ذلك العصر نادرًا ما تجد الحماية الخارجية كما تحتاجها فإن أم كلثوم صنعتها لنفسها و"بَنَت حولها أسوارًا" تحميها واصطنعت المسافة بينها وبين الجميع، كي لا يذوب جمالها بين كل من طمع في ارتشاف / سحق هذا الجمال.

وبرغم ذلك فأنني لا أتبنى أو أصدِّر أن هذه هي الصورة الحقيقية عن "الست"، ولا أحاكم الفيلم كوثيقة تاريخيّة يجب أن تمشي على مسطرة الحقائق وما حدث وما لم يحدث. فالإبداع لا يُحاكَم إلى الفكرة المتخيَّلة عنه مسبقًا، الإبداع لا يُحاكَم إلا إلى نفسه، منسلخًا عن كل السياقات التي تحكم القصة الأصليّة إن كان قائمًا على أحداث حقيقية. ومن حق الفنان -أي فنان- أن يتخيَّر من الحقيقة ما يراه متسقًا وخادمًا لرؤيته الفنيّة من وجهة نظره ليجدله ببعضه صانعًا مُنتَجًا جديدًا بين الحقيقة والخيال. 

وفي رأيي هذا بالضبط ما قدّمه فريق عمل فيلم "الست". وحتى هذه القيمة التي استخرجتُها ضمن ما استخرجت وشاهدتُ فيها وجهًا آخر مخفيًا للقمر، وجهًا قويًا بقدر الهشاشة، نادمًا بقدر الحزم، عطوفًا بقدر القسوة، فإنه من الممكن أن يخرج كل متفرج آخر للفيلم بمشاعر مختلفة واستيقافات متباينة. فإن تعدد الأوجه لهذه السيدة العظيمة يسمح ويبرر أن تتعدد كذلك الأوجه المتخيَّلة عنها بعدد مستمعيها ومحبيها بامتداد العصور.

اختيار الممثلين جاء موفقًا لمدى بعيد، ربما الدور الوحيد الذي كان أداؤه متناغمًا في أحيان وغير موفق في أحيان هو دور أم كلثوم نفسها، ومع ذلك كان إداء منى زكي في المرحلة العمرية المتقدّمة تحديدًا جيدًا جدًا، فيمكن التغاضي عن بعض المشاهد المبكرة التي كان الأداء فيها أقرب لمنى زكي -نفسها التي نعرفها مسبقًا- منه إلى الست. وكانت محاولات اجتهادها في الأداء الصوتي أثناء الكلام تدغم الحروف ببعضها فتؤدي لعدم وضوحها. وهذا أيضًا يمكن التغاضي عنه لاجتهادها الواضح ولكمال الحالة العامة والصورة الفنيّة المبهرة للفيلم.

التسجيل الصوتي هو أسوأ ما في الفيلم حيث جاءت بعض الجمل والكلمات غير واضحة أو غير مفهومة، في حين جاءت موسيقى هشام نزيه متماشية مع الحالة الفرنسية التي تعيدنا إلى حفل باريس كل فترة، لكنها كذلك مفاجئة وغير متوقّعة من حيث كونها بعيدة عن الحالة العامة لأم كلثوم.

فيلم "الست" عمل فنّى موفّق لمروان حامد وأحمد مراد ومنى زكي، لا هو وثيقة تاريخيّة ولا هو سيرة ذاتيّة، ولا هو دعوى للإنصاف ولا للتشويه. هو عمل فنّي "مستوحى" من أحداث حقيقية كما نوّه في بداية الفيلم، أحداث تعنونها قيمة الانتصار والمرور وتسلق الانهزامات كسلالم تؤدي لخشبة المسرح.

تابع مواقعنا