السبت 02 مايو 2026
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات
محافظات

التعليم والبيزنس.. أزمة صعود نفوذ الدروس الخصوصية ما بين الخروج عن السيطرة وفوضى المحتوى

صورة تعبيرية
تعليم
صورة تعبيرية
الأحد 19/أبريل/2026 - 02:27 م

في مساحة يتقاطع فيها التعليم مع البيزنس، وتتشابك فيها السمعة بالنفوذ، خرجت خلال الفترة الأخيرة وقائع تعكس وجهًا أكثر خشونة لظاهرة الدروس الخصوصية في مصر، بعد أن تحولت من “حل موازٍ” إلى قوة قائمة بذاتها، يصعب تجاهلها أو حتى انتقادها أحيانًا.

الدروس الخصوصية.. سوق مواز يزداد تعقيدا

القصة الأولى رواها الدكتور محمد فتحي، الكاتب الصحفي والأكاديمي المتخصص في شئون الإعلام، والذي قال إنه وجد نفسه في مواجهة ما يشبه “جدارًا صلبًا” عقب انتقاده للمدرس المعروف م. ص. 

فبحسب روايته، بدأ الأمر بتدوينة حذر فيها من استعانة المدرس بداعية سلفي ومنشد خلال مراجعة دراسية، متسائلًا عن الرسائل التي يمكن أن تصل إلى الطلاب في هذا السياق، ومطالبًا برقابة تمنع تمرير أفكار متشددة أو غير مناسبة داخل محتوى تعليمي.

لكن ما تلا ذلك، وفق منشور لـ فتحي على فيس بوك، تجاوز حدود الجدل الطبيعي، إذ تحولت التعليقات إلى هجوم واسع، قبل أن تُحذف منشوراته تباعًا من المنصة  بدعوى انتهاك حقوق الملكية الفكرية.

 ويقول إنه تلقى رسالة تهديد عبر “واتساب” من شخص أكد له قدرته على حذف المحتوى، قبل أن يختفي سريعًا بعد توثيق الرسائل.

التهديد
التهديد

ويضيف فتحي أن محاولاته لإعادة نشر القصة باءت بالفشل، مرجحًا أن يكون تسجيل اسم المدرس كعلامة تجارية قد أتاح استخدام أدوات المنصة لحجب أي محتوى ناقد، فضلًا عن استعانة المدرس المذكور بشركة ميديا مقرها الهند لشن بلاغات ضده على فيس بوك وذلك بمقابل مادي كبير، في مشهد يراه كاشفًا لقدرة بعض “نجوم السناتر” على توظيف أدوات قانونية وتقنية لحماية صورتهم ونفوذهم.

تحذيرات من فوضى المحتوى داخل السناتر

على الجانب الآخر، جاءت شهادة ميدانية من داخل المنظومة نفسها، إذ أطلق أنس عبد المعبود مدرس لغة إنجليزية بإدارة شبرا التعليمية تحذيرًا من نوع مختلف، لا يتعلق بالهجوم على النقاد، بل بما وصفه بـ“فوضى المحتوى” داخل المنصات التعليمية.

وقال إن عددًا من المدرسين غير المتخصصين باتوا يقدّمون شروحات في مواد لا يمتلكون أدواتها العلمية، ما يؤدي إلى إرباك الطلاب وتشويه فهمهم، بل ودفع بعضهم إلى فقدان الثقة في قدراتهم.

وأشار المدرس إلى أن دعوته لإخضاع مقدمي المحتوى التعليمي لاختبارات تقييم قوبلت، هي الأخرى، بردود حادة، وصلت إلى تهديدات وإساءات، رغم تأكيده أن حديثه “علمي بحت” ويستهدف حماية الطلاب لا استهداف أشخاص بعينهم.

جزء من محادثات مع أحد المدرسين المحاربين للدروس الخصوصية
جزء من محادثات مع أحد المدرسين المحاربين للدروس الخصوصية

 

جزء من محادثات مع أحد المدرسين المحاربين للدروس الخصوصية
جزء من محادثات مع أحد المدرسين المحاربين للدروس الخصوصية

بين الواقعتين، تتشكل صورة أكثر وضوحًا، لسوق تعليمي موازٍ لم يعد مجرد نشاط جانبي، بل منظومة ضخمة تملك أدواتها، وجمهورها، وآليات دفاعها، قوة لا تستند فقط إلى المال، بل إلى التأثير المباشر على مئات الآلاف من الطلاب، وإلى حضور رقمي يمنحها قدرة على الانتشار، وأحيانًا على الردع.

تحركات رسمية لضبط الظاهرة

وفي هذا السياق، لم تكن وزارة التربية والتعليم مكتوفة الأيدي، بل جاءت تحركاتها كجزء من مسار ممتد لمواجهة الظاهرة، وليس إجراءً مستحدثًا، إذ سبق أن أصدرت الوزارة، ضمن كتاب دوري للمديريات التعليمية مطلع العام، توجيهات بضرورة اتخاذ التدابير اللازمة تجاه من يمارس مهنة التدريس دون وجه حق، خاصة داخل مراكز الدروس الخصوصية، بما يشمل المعلمين في إجازات بدون مرتب أو إجازات طويلة، والذين يستغلون هذه الفترات للعمل خارج الإطار الرسمي.

وأكدت التوجيهات، في وقتها، أهمية التصدي لظاهرة الدروس الخصوصية تمهيدًا للحد منها، مع التشديد على تطبيق الإجراءات القانونية تجاه المخالفين، خصوصًا المتغيبين عن المدارس أو غير الملتزمين بالحضور وفق الجداول الدراسية.

توجيهات وزارة التعليم بشأن التعامل مع مدرسين الدروس الخصوصية
توجيهات وزارة التعليم بشأن التعامل مع مدرسين الدروس الخصوصية

كما تضمنت الإجراءات المطروحة حينها مجموعة من المحاور، من بينها:

تفعيل مجموعات الدعم المدرسي داخل المدارس كبديل تعليمي رسمي.

اتخاذ إجراءات قانونية ورقابية ضد من يتم ضبطهم داخل السناتر.

تطبيق جزاءات إدارية تدريجية قد تبدأ بالخصم من الراتب، وتمتد في حالات التكرار إلى النقل أو الإبعاد عن العمل داخل المحافظة.

رؤية الوزارة: إعادة التعليم إلى المدرسة

وفي إطار هذا التوجه الرسمي، أكد وزير التربية والتعليم والتعليم الفني محمد عبد اللطيف، أن الهدف الأساسي للوزارة هو إعادة تمركز العملية التعليمية بالكامل داخل المدرسة، بحيث تعتمد على معلمي الوزارة بشكل مباشر، مع تفعيل مجموعات تقوية داخل المدارس للطلاب الضعاف، بما يعزز فكرة أن التعليم يجب أن يتم داخل المؤسسة التعليمية الرسمية.

وزير التعليم محمد عبد اللطيف
وزير التعليم محمد عبد اللطيف

وأشار الوزير إلى أن ظاهرة الدروس الخصوصية، رغم كونها ممتدة منذ سنوات طويلة ومتجذرة اجتماعيًا، فإن تغييرها يحتاج إلى وقت وتدرج، وليس قرارات سريعة فقط. وفي السياق نفسه، أوضح أن نشاط ما يُعرف بـ“السناتر” شهد تراجعًا ملحوظًا خلال الفترة الأخيرة، حيث انخفض حجمه بنسب تتراوح بين 50% إلى 60%، نتيجة زيادة التزام الطلاب بالحضور داخل المدارس، وهو ما أدى إلى تقليص عمل تلك المراكز خلال الفترة الصباحية، خاصة لطلاب سنوات النقل.

ويؤكد هذا الطرح، وفق رؤية الوزارة، أن الهدف النهائي هو إعادة جذب الطالب إلى المدرسة باعتبارها المصدر الأساسي للتعليم، وتقليل الاعتماد على أي مسارات تعليمية موازية خارجها.

أزمة تتحدى القواعد.. المدرسين ليسوا على قوة الوزارة

لكن في المقابل، تبرز إشكالية أكثر تعقيدًا تتعلق بطبيعة بعض القائمين على هذا النشاط، إذ إن جزءًا من الفاعلين في سوق الدروس الخصوصية ليسوا بالضرورة ضمن الكوادر المعينة رسميًا في وزارة التربية والتعليم، وهو ما يجعل تطبيق بعض الإجراءات العقابية التقليدية عليهم أكثر محدودية من الناحية الإدارية.

الاستقواء بقواعد إلكترونية واستغلال الطلاب

وفي هذا السياق، يعتمد بعض هؤلاء على حضورهم القوي على منصات التواصل الاجتماعي، وما يحظون به من دعم واسع من الطلاب وأولياء الأمور، بما يمنحهم قدرة على تشكيل رأي عام إلكتروني قد يستخدم أحيانًا في مواجهة أي انتقادات أو محاولات تنظيم، الأمر الذي يعقّد مسألة ضبط هذا السوق ويجعله أكثر تشابكًا بين التعليم والتأثير الرقمي.

جدل حول مصالح السناتر والهجوم الإعلامي

لكن هذا المشهد لا يخلو من قراءة أخرى، إذ يرى الإعلامي محمد فودة، أن هذا الأمر وهذا التأثير هو سبب ما يتعرض له وزير التعليم من هجوم، والذي يؤكد على أنه لا يمكن فصله عن الصراع مع ما وصفه بـ“مصالح الدروس الخصوصية”، معتبرًا أن تحركات الوزارة أثرت بشكل مباشر على سوق السناتر، ما دفع بعض المستفيدين منه إلى شن حملات نقد عبر السوشيال ميديا.

في المقابل، يقدم الدكتور تامر شوقي، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس، قراءة أكثر تركيبًا للظاهرة، معتبرًا أن الدروس الخصوصية أصبحت مساحة تعليمية موازية تعاني من غياب الرقابة على المحتوى والقائمين عليه.

ويشير شوقي إلى أنه لا توجد حتى الآن منظومة قانونية واضحة تنظم هذا النشاط بشكل شامل، سواء فيما يتعلق بالمؤهلات التربوية للمعلمين أو جودة المحتوى أو حتى آليات المراجعة، لافتًا إلى أن بعض القائمين على التدريس قد لا يمتلكون تأهيلًا تربويًا مناسبًا رغم ممارستهم الفعلية للعملية التعليمية.

قراءة نفسية لخطورة التأثير التعليمي الموازي

كما يوضح الخبير التربوي أن انتقال الدروس الخصوصية إلى المنصات الإلكترونية ضاعف من حجم التأثير، حيث أصبح بإمكان بعض المعلمين الوصول إلى مئات الآلاف من الطلاب، بدلًا من نطاق محدود داخل السناتر، ما زاد من حجم التأثير التربوي والفكري.

الدكتور تامر شوقي
الدكتور تامر شوقي

الطالب بين التأثير النفسي والتلقي غير المنضبط

ويضيف أن طلاب المراحل العمرية المختلفة، خاصة في سن المراهقة، يكونون أكثر قابلية للتأثر بالنماذج التعليمية التي يتعاملون معها، ما يمنح المعلم دورًا يتجاوز الشرح إلى تشكيل جزء من الوعي والسلوك.

الدولة والإعلام والأسرة.. كيف نواجه خطورة الأمر؟

وانطلاقًا من ذلك، يطرح الدكتور تامر شوقي، رؤية تقوم على ثلاثية المواجهة، وهي ضبط دور الدولة عبر الترخيص والرقابة، وتفعيل دور الإعلام في التوعية، وتعزيز دور الأسرة في المتابعة والاختيار، باعتبارها خط الدفاع الأول في مواجهة أي خلل داخل هذه المنظومة.

وبين هذه الزوايا المتعددة من النفوذ الرقمي، إلى الجدل الإعلامي، إلى التحليل النفسي، إلى محاولات التنظيم الرسمي تتشكل صورة أكثر تعقيدًا لسوق تعليمي موازٍ لم يعد مجرد نشاط جانبي، بل منظومة قائمة بذاتها، خرجت من الهامش إلى المتن، تملك أدواتها وجمهورها وقدرتها على التأثير، وفي بعض الأحيان، على فرض قواعدها الخاصة، أو على الأقل جعل تكلفة معارضتها أعلى مما يتوقعه الكثيرون، كما حدث في الواقعتين السابقتين.

تابع مواقعنا